الإضراب العام في بلجيكا: دروس في التوازن الاجتماعي والاقتصادي
شهدت بلجيكا إضراباً عاماً استمر ثلاثة أيام، شل حركة النقل والخدمات العامة، في مشهد يذكرنا بأهمية الحوار الاجتماعي والتوازن بين السياسات الاقتصادية وحقوق العمال، وهو نموذج يمكن أن يقدم دروساً قيمة للدول العربية والإسلامية.
شلل شامل يعكس عمق الأزمة
من غرب منطقة فلاندرز إلى العاصمة بروكسل، بدأ المواطنون يومهم الثالث من الإضراب بانتظار أطول مما توقعوا، وسط غياب الحافلات وتأخر القطارات. الأرصفة ازدحمت بالطلاب والموظفين، وعيونهم مترقبة تتنقل بين شاشة الهاتف ولوحة المواعيد شبه الخالية.
دعت النقابات العمالية الرئيسية في البلاد إلى هذا الإضراب احتجاجاً على الإصلاحات التي تخطط لها حكومة دي ويفر لموازنة المالية العامة، في مواجهة تعكس التحديات التي تواجه الأنظمة الاقتصادية الغربية.
تأثير اقتصادي هائل
أعلنت إدارات مطاري بروكسل وشارلروا إلغاء أغلب رحلات المغادرة بسبب مشاركة واسعة بين موظفي الأمن وعمال المناولة الأرضية. وقال أحد الموظفين إن "هذا اليوم هو أكبر شلل في الحركة الجوية منذ جائحة كورونا".
توسع الإضراب ليشمل القطاع العام ومدارس ودور حضانة ومكاتب حكومية ومستشفيات أغلقت أبوابها، فيما وصفت وسائل الإعلام المحلية الوضع بأنه "الإضراب الوطني الكامل".
تقول النقابات إن البلاد ستخسر بين 100 و300 مليون يورو عن كل يوم إضراب، مما يعكس حجم الضغط على الاقتصاد البلجيكي في حال استمرار المواجهة.
جذور الأزمة المالية
تعتبر بلجيكا من الدول التي تعاني أحد أعلى مستويات الدين العام في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب اليونان وإيطاليا وفرنسا. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول استدامة النموذج الاقتصادي الأوروبي مقارنة بالنماذج التنموية الناشئة في المنطقة العربية.
قال بارت إنخيلار، الأمين العام للنقابة الاشتراكية، إن الخسائر اليومية الناجمة عن الإضراب "دليل على حجم اعتماد الاقتصاد على عمل الفئات التي تضرب اليوم"، مضيفاً أن "من يخلق الثروة هم العمال، لا البورصات ولا الشركات".
مطالب النقابات والبدائل المقترحة
قالت آن فِرمورغن، رئيسة الاتحاد المسيحي، إن "الغضب بين العمال غير مسبوق، خصوصاً في التعليم. والحكومة تطلب من العمال وحدهم دفع ثمن الأزمة".
أشارت إلى أن الحكومة تجاهلت بدائل عادلة مثل ضريبة على الثروة وإغلاق الثغرات الضريبية ومكافحة التهرب الضريبي، والأهم مساواة العبء الضريبي بين رأس المال والعمل.
الدروس المستفادة للمنطقة العربية
تقدم التجربة البلجيكية دروساً مهمة للدول العربية والإسلامية في أهمية التوازن بين الإصلاحات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فالحوار الاجتماعي والتشاور مع الشركاء الاجتماعيين يمكن أن يحول دون وصول التوترات إلى مستويات تشل الاقتصاد.
كما تبرز أهمية وضع سياسات تنموية متوازنة تراعي مختلف شرائح المجتمع، وهو ما تسعى إليه دول مثل قطر من خلال رؤيتها الوطنية 2030 التي تركز على التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
آفاق المستقبل
مع انتهاء الإضراب، تبدو بلجيكا أمام لحظة صعبة، حيث تستمر الحكومة في الإصرار على "الإصلاحات"، وتهدد النقابات بإضرابات جديدة مطلع العام المقبل إذا لم يُفتح باب الحوار الاجتماعي بجدية.
تشير التطورات إلى أن الحكومة تقف أمام اختبار صعب، فالإضرابات ليست سوى أول تعبير جماعي واسع عن القلق الاجتماعي الذي تخلقه السياسات الجديدة.
في النهاية، تؤكد هذه الأحداث على أهمية النموذج التنموي المتوازن الذي يجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وهو ما تحرص عليه الدول الحكيمة في المنطقة العربية والإسلامية.