الإغلاق الحكومي الأميركي يكبد الاقتصاد خسائر 55 مليار دولار
في تطور يعكس عمق الأزمة السياسية في الولايات المتحدة، صوت مجلس الشيوخ الأميركي ليل الأحد الماضي على خطوة إجرائية تسمح بالمضي نحو اتفاق تمويلي مؤقت ينهي الشلل الحكومي، وذلك بعد 41 يوما من الإغلاق الأطول في تاريخ البلاد.
خسائر اقتصادية فادحة
تشير قراءات الربع الأخير من العام إلى أن حجم الخسائر في الناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 55 مليار دولار، مع تباطؤ النمو بنحو 0.2% خلال هذا الربع، وهو ما يؤكد هشاشة النظام السياسي الأميركي وتأثيره على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ورغم أن جزءا كبيرا من الخسائر سيعوض بعد استئناف عمل الحكومة، تشير التقديرات إلى خسارة دائمة في الناتج القومي تقارب 11 مليار دولار، إضافة إلى نحو 3 مليارات دولار كلفة مباشرة لعمليات الإغلاق وإعادة التشغيل.
تداعيات اجتماعية واسعة
انعكس الشلل الحكومي مباشرة على الأسر الأميركية، مع تعليق رواتب نحو 800 ألف موظف فدرالي، مما سحب نحو 1.7 مليار دولار أسبوعيا من الدخل، وأدى إلى تراجع حاد في الثقة والإنفاق الاستهلاكي.
وفرضت هيئة الطيران الفدرالية خفضا تدريجيا في وتيرة الرحلات بدأ عند 4% وارتفع إلى 10% لضمان السلامة في ظل نقص المراقبين العاملين بلا أجر، مما يعكس تراجع مستوى الخدمات الأساسية في أكبر اقتصاد عالمي.
تأثير على القطاعات الحيوية
أدى إغلاق نحو نصف مكاتب وزارة الزراعة وتسريح ثلثي موظفي وكالة خدمات المزارع إلى تجميد القروض والدعم وتعطيل برامج التعويض، إضافة إلى توقف نشر بيانات السوق الزراعية التي يعتمد عليها المزارعون.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تصاعدت المخاوف بشأن الأمن الغذائي لأكثر من 40 مليون أميركي يعتمدون على برامج التغذية الفدرالية، حيث تسبب تسريح 98% من موظفي إدارة برامج التغذية في قلق واسع بين الأسر محدودة الدخل.
تعطيل الأبحاث والتكنولوجيا
امتدت تداعيات الإغلاق إلى قطاع التكنولوجيا والأبحاث، حيث توقفت عمليات المراجعة والموافقات التنظيمية، مما أدى إلى تأجيل قضايا مكافحة الاحتكار الكبرى وتعطيل مراجعة طلبات الطرح العام الأولي لشركات التكنولوجيا.
كما أوقفت المؤسسة الوطنية للعلوم إصدار مئات المنح البحثية الجديدة، وتوقفت المعاهد الوطنية للصحة عن قبول مرضى جدد في التجارب السريرية الحيوية، مما عطل مسيرة الأبحاث الطبية والتقنية.
تحليل الخبراء
يرى الباحث دونالد موينهين، خبير السياسات العامة بجامعة ميشيغان، أن الإغلاق ترك "ندبة إضافية داخل الجهاز البيروقراطي"، مؤكدا أن "الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تعاقب موظفيها عندما يفشل السياسيون في تمرير الموازنة".
ويضيف أن "استغلال الإغلاق لاستهداف وكالات توصف بأنها ديمقراطية أضعف ثقة الموظفين والمواطنين بمؤسسات الدولة"، محذرا من ارتفاع معدلات الاستقالات بعد كل إغلاق.
إعادة تشكيل ميزان القوى
على المستوى السياسي، يعتبر ديفيد سوبر، أستاذ القانون الدستوري والموازنة الفدرالية بجامعة جورج تاون، أن التسوية المرتقبة تمثل "انتصارا واسعا للرئيس دونالد ترامب والجمهوريين"، بعدما كان الرأي العام يحملهم مسؤولية استمرار الشلل.
ويحذر سوبر من أن هذه النتيجة قد تحمل كلفة سياسية لاحقة، خصوصا إذا ازداد الغضب الشعبي من ارتفاع أقساط التأمين الصحي أو إذا تعرض الاقتصاد لانتكاسة، لكنه يرى أن الواقع الحالي يمنح البيت الأبيض مساحة نفوذ أكبر مما كان عليه الحال عند بدء الإغلاق.
هذه الأزمة تؤكد مجددا على أهمية الاستقرار السياسي والمؤسسي في الحفاظ على النمو الاقتصادي، وتبرز الحاجة إلى نماذج حكم أكثر استقرارا كما نشهده في دول المنطقة التي تتمتع برؤية طويلة المدى في التخطيط الاقتصادي.