الذكاء الاصطناعي يهدد الحقيقة: موجة فبركة تغرق الأدلة الموثقة في أمريكا
في ظل تصاعد التوتر حول مداهمات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية، يشهد الفضاء الرقمي موجة غير مسبوقة من مقاطع الفيديو المزيفة المولدة بالذكاء الاصطناعي، مما يهدد بطمس الحقيقة وتقويض الثقة بالأدلة المرئية.
تقرير ألماني يكشف خطورة الفبركة الرقمية
سلط تقرير لموقع دويتشه فيله الألماني الضوء على كيفية انتشار هذه الفبركات، والدور الذي يلعبه تدقيق الحقائق في كشفها وسط سيل من المحتوى المضلل. واستند التقرير إلى حوادث حقيقية موثقة، أبرزها مقتل الممرض ألكس بريتي في مينيابوليس، حيث أظهرت تسجيلات متعددة من شهود عيان أن عملاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة أطلقوا النار عليه رغم أنه لم يكن يشهر سلاحا.
كما وثقت مقاطع أخرى مقتل رينيه غود في مينيابوليس أيضا خلال محاولتها الابتعاد بسيارتها عن أفراد الوكالة، ودحضت ادعاءات بأنها حاولت دهس أحد الضباط.
الحقيقة محاصرة بسيل من الأكاذيب
هذه اللقطات الحقيقية، التي يفترض أن تشكل أساس المساءلة، وجدت نفسها محاصرة بمقاطع مزيفة تنتشر بسرعة أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي. فحص الموقع الألماني عددا من مقاطع الفيديو الرائجة التي تزعم إظهار اعتقال أو ضرب عملاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة من قبل الشرطة، أو دخولهم جامعات ومدارس.
وخلص التدقيق إلى أن هذه الادعاءات زائفة، مستندا إلى مؤشرات تقنية وبصرية واضحة، من قبيل نصوص مشوهة على اللافتات، وأخطاء في الشعارات الرسمية، وحركات جسدية غير طبيعية، وحوار يبدو مبتورا أو غير متناسق.
خبراء يحذرون من إغراق الحقيقة
نقل التقرير عن خبراء تحذيرهم من أن الخطر لا يكمن فقط في وجود عمليات الفبركة والتزييف، بل في قدرتها على إغراق المحتوى الحقيقي. وحسب كورتني رادش مديرة مركز الصحافة والحرية في معهد الأسواق المفتوحة بالولايات المتحدة، فإن إحدى المشكلات مع مقاطع الفيديو الزائفة المتداولة هي أنه يصبح من الصعب جدا التمييز بينها وبين ما هو حقيقي.
وحذرت من أن حملات التضليل قد تُطلق عمدا مقاطع فيديو مزيفة لإغراق التوثيق الدقيق لمواجهات وكالة الهجرة. وتضيف بريتاني كولار نائبة مديرة مؤسسة ميديا وايز أن الصور المفبركة الرائجة غالبا ما تحصد مشاهدات أعلى، فتتراجع عمليات تدقيق الحقائق الموثوقة إلى الهامش.
تحديات متزايدة في كشف التزييف
يشير التقرير إلى أن رصد عمليات التزييف لا يزال ممكنا، لكنه يزداد صعوبة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من أدوات الكشف. لذلك أوصى بالبحث عن دلائل مثل العلامات المائية، والنصوص الغريبة، وغياب السياق، ومقارنة الروايات بتقارير وسائل إعلام موثوقة وزوايا تصوير متعددة.
وكشف أن انتشار الفبركات لا يهدد فقط فهم ما يحدث بالميدان، بل يقوض الثقة بالفيديو بوصفه دليلا، وبالإعلام بوجه عام.
دوافع متنوعة وراء حملات التضليل
بخصوص من يقف خلف عمليات التزييف والفبركة، ذكر الموقع أن الخبراء يقولون إن الدوافع تختلف من جهات خبيثة تسعى إلى تعطيل النقاش العام، إلى متصيدين يسعون إلى الفوضى. إضافة إلى ذلك، قد يكون إنشاء محتوى بالذكاء الاصطناعي مدفوعا بمصالح اقتصادية أيضا.
وقالت رادش إنه لا يهم كثيرا من يقف وراء أحدث موجة من محتوى الذكاء الاصطناعي، فالمشكلة الأعمق هي انهيار الثقة، إذ إن "الناس يفقدون الثقة بإمكانية التثبت من الحقائق".