بورصة طهران تعود بعد 80 يوما: هل تنجو من تداعيات العدوان؟
في مشهد تترقبه العواصم الإقليمية باهتمام بالغ لارتباط الاستقرار الاقتصادي بأمن الخليج، عادت بورصة طهران صباح أمس الثلاثاء إلى التداول بعد إغلاق دام 80 يوما بسبب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران. ويعد هذا الإغلاق الأطول منذ تأسيس البورصة عام 1967، ما يضع السوق أمام اختبار صعب يتمحور حول قدرة المتعاملين على استعادة التوازن في سوق أنهكها الترقب بين صدمة حرب لم تنته تداعياتها، وإغراء أسعار الأسهم المتراجعة.
توازن حذر وتجنب السيناريو الأسوأ
وإثر إسدال الستار على جلسة التداول الأولى للبورصة في العام الإيراني الجديد، خيّم على أروقتها ما يشبه المفاجأة الجماعية. فبدلا من مشهد النزيف الحاد الذي استبقه كثير من المراقبين، شهدت السوق انحسارا ملموسا في صفوف البيع المذعورة، يقابله نشاط واضح في طلبات الشراء. ومنذ الدقائق الأولى للجلسة الافتتاحية، أظهرت شاشات التداول توازنا حذرا في حركة المؤشرات وطبيعة المعاملات التي تقلبت بين ساعة وأخرى، إذ تحولت بعض الأسهم من طوابير البيع إلى الشراء، في حين واصلت أسهم بعض القطاعات التحرك بحذر شديد.
وبحلول نهاية جلسة أمس، ارتفع المؤشر العام بنحو 2521 نقطة، ليغلق عند مستوى 3 ملايين و716 ألفا و477 وحدة، في إشارة إلى أن السوق لم تشهد اندفاعا واسعا نحو البيع. بل إن شريحة من المستثمرين ما زالت تراهن على أن الأسعار الحالية أصبحت متدنية مقارنة بموجات التضخم المتصاعدة خارج البورصة.
وتأتي هذه الأرقام في ظل توقف 42 سهما رئيسيا خارج التداول بقرار من هيئة الرقابة، بسبب تضرر شركاتها جراء العدوان الأخير، وهو ما حال دون تعرض السوق لانهيار أوسع. ويوضح المتداول جمال لوسائل الإعلام أن
لو سُمح للأسهم المتضررة بالتداول، لكنا أمام سيناريو مختلف تماما، مشيرا إلى أن التساؤل الأكثر تداولا اليوم هو حول أسباب اختيار السلطات لهذا التوقيت بالذات لإعادة فتح السوق وسط استمرار تداعيات العدوان على البنية التحتية والمخاوف من تجدد الضربات.
استراتيجيات المستثمرين في مواجهة التضخم
من ناحيتها، تقول مريم، التي تتداول في بورصة طهران منذ نحو عقد، إنها كانت تعول على أداء السوق حتى قبل بدء الجلسة الافتتاحية، لأن السيولة لم تتجه للمضاربة العشوائية بل ركزت على قطاعات محددة. وتضيف أن المستثمرين توجهوا نحو أسهم شركات المعادن الأساسية والمصافي والإسمنت، لأن الطلب على منتجات هذه القطاعات يستمر حتى في ظروف الحرب، فضلا عن ثقة المتداولين في الشركات ذات الأرباح الحقيقية والميزانيات القوية مثل قطاعي الغذاء والدواء.
لكنها تستدرك مؤكدة أن مؤشرات اليوم الأول لا تعني زوال الخطر، بل تعكس فقط احتمال قدرة السوق على استعادة جزء من الهدوء الذي فقدته. فيما يعبر محمد، وهو مستثمر مخضرم، عن مشاعر مختلطة قائلا إنه باع جزءا من أسهمه واحتفظ بأخرى، والمنطق يقول إن الحرب رفعت أسعار السلع الأساسية لكن الخوف من ضربة جديدة ما زال قائما، ما دفع كثيرين لاختيار المراقبة بدلا من البيع المذعور.
قراءة اقتصادية: تخفيف الضغط أم تأجيل للأزمة؟
وعن توقيت استئناف التداول، يقول الباحث الاقتصادي علي محمدي إن استمرار إغلاق سوق بحجم بورصة طهران لأكثر من 80 يوما كان سيشكل خطرا متزايدا على الثقة في الاقتصاد الإيراني، لا سيما في ظل ارتفاع سعر الصرف ونشاط الأسواق الموازية. فقد بدت البورصة المغلقة أشبه بوعاء ضغط يهدد بخروج الاستثمارات، واستمرار التجميد كان سيمس ركنا أساسيا من أركان الاستثمار وهو قابلية التسييل، ما أدى حتما إلى موجة بيع واسعة وهروب جماعي لرأس المال عند إعادة الفتح.
ويشيد محمدي بقرار هيئة إدارة بورصة طهران إبقاء أسهم الشركات المتضررة مباشرة جراء الحرب خارج التداول، واصفا القرار بأنه صائب إستراتيجيا، موضحا أن السماح بتداول هذه الأسهم كان سيخلق موجة بيع حادة، لأن المساهمين كانوا سيسارعون إلى التخلص من أسهمهم بأي سعر ممكن، الأمر الذي كان سيضغط بقوة على المؤشرات العامة ويغذي حالة الهلع في مختلف القطاعات. ويبقى المستقبل مرهونا بمسار التطورات العسكرية، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تهدئة دائمة أم مجرد هدوء مؤقت، في ظل استمرار التحديات التي تفرضها السياسات التدخلية على استقرار الاقتصادات الإقليمية.