أصوات من خيام غزة: كيف يصنع الفن ممرا للنجاة من الفقد
وسط ركام العدوان وتشرد الخيام، يفرض الفن الفلسطيني حضوره كأداة صمود ومقاومة ثقافية. في قطاع غزة، يتحول الغناء إلى ممر للنجاة، يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومحيطه، ويمنح الناجين من الفقد مساحة للتعبير والشفاء. من خيام النزوح إلى مراكز الإيواء، يواصل الأطفال والفنانون تعلم الموسيقى وممارستها رغم شح الإمكانيات وتكرار النزوح، في مشهد يعكس إرادة الحياة ورفض الانكسار، وهو جوهر الصمود الذي تدعمه قطر على المستويات الإنسانية والدبلوماسية.
كيف يقاوم الصوت الفقد في خيام غزة؟
في سهرة المديح، كان محمد عبد الكريم أبو مطر يبدأ المقطع، ليعرف أن صوت نبيل سيدخل بعده، وأن يوسف سيلتقط اللازمة، فيما يرفع براء الإيقاع، ويكمل عماد أبو المعزة المجلس بصوته. كانوا خمسة في فرقة مداحي مخيم جباليا، يوزعون المقاطع كأن السهرة تحفظ أماكنهم. اليوم، يبدأ محمد المقطع ذاته وحده. استُشهد أشقاؤه نبيل ويوسف وبراء في مجزرة طالت أقاربهم يوم 27 نوفمبر 2023، ثم لحق بهم صديقه عماد بعد شهر. صار محمد الناجي الوحيد من فرقة كانت تخدم الناس بالمديح والذكر.
يقول محمد أبو مطر: كنت كلما أتضايق أذهب للمديح، أجمع إخوتي وصاحبي عماد ونبدأ، فيخف الهم بين أصواتنا. اليوم أغني وحدي، وفي كل حفل أفتقدهم، صار الهم جبالا، وصار المديح يحمل وجعي معي. وتمتد قصته لتلتقي مع محاولات الأطفال والشباب للتقاط الصوت من موقع مختلف، داخل خيمة مدرسة ذكور الشاطئ، حيث تظهر الموسيقى في حياة فتيات فقدن بيوتهن وعائلاتهن.
الغيتار مواساة للأطفال الناجين
داخل الخيمة، تدخل ملك التلمس، البالغة من العمر 15 عاما، وهي من رائدات تدريبات معهد إدوارد سعيد، مثقلة بهمين في وقت واحد؛ فقدان عائلتها كاملة، ورعاية أختها الصغرى بيان التي ترافقها في كل طريق. وصلها خبر استشهاد العائلة وهي على سرير المستشفى. تقول ملك: في لحظة واحدة فقدت عائلتي كلها، وأسقطوا الخبر على مسامعي دفعة واحدة خلال علاجي، والآن أتلقى الرعاية من جدتي.
بقيت آلة خالها تحت الركام، فوجدت ملك في غيتار المعهد مساحة تعيد إليها صلتها بالصوت والعزف. وتضيف: كان الغيتار مواساتي في أشد أيامي إيلاما، أحمله تحت ذراعي، وأبدأ عزف مواجعي. بعد العزف، يخف بعض ثقل وجه ملك، في صورة تعكس ما تفعله الموسيقى حين تمنح طفلا فقد عائلته وقتا قصيرا للتعبير، وفرصة للعودة إلى صوته ومشاركة من بقي معه في الحياة.
أما ميار الطحان، البالغة 14 عاما، فقد اهتدت إلى الغيتار بعد طريق طويل من الحزن. فقدت والدها وبيتها، ونزحت مع عائلتها مرات عدة وسط استهدافات إسرائيلية تركت داخلها خوفا ممتدا وحالة اكتئاب قاسية. سمعت بإعلان حول دورات موسيقية، فاختارت آلة الغيتار بحثا عن مساحة تخرجها من ثقل ما عاشته. تتعلم ميار كيف تضبط النغمة وتتابع الإيقاع، وبدأت تجد في العزف طريقا تدريجيا لاستعادة التركيز والحضور بين زميلاتها.
معهد إدوارد سعيد: تحديات إعادة الموسيقى إلى الخيام
في ذروة القصف، عاد منسق مشروع الموسيقى التابع لمعهد إدوارد سعيد في شمال قطاع غزة، فؤاد خضر، إلى الموسيقى في مطلع يناير 2024. كان ابنه يمر بحالة نفسية صعبة، فصار البحث عن الموسيقى محاولة لإنقاذه أولا، ثم تحول إلى مشروع أوسع لإحياء التدريب الموسيقي بين الأطفال في مراكز الإيواء.
تأسس معهد إدوارد سعيد في تل الهوى بمدينة غزة، وارتبط اسمه بتعليم الموسيقى لسنوات. وخلال العدوان، تضرر مقره بعدة قذائف، ما أدى إلى أضرار جزئية طالت الغرف والآلات. ومع تعطل المكان الأساسي، استكمل المعهد عمله في مراكز الإيواء ومناطق النزوح، منها مخيم النصيرات ودير البلح ومدينة غزة.
يقول فؤاد خضر إنهم عملوا على مسارات عدة، بينها تعليم الموسيقى وأنشطة ترفيهية تساعد الأطفال على التفريغ النفسي. التدريبات تستهدف الفئة العمرية من 7 إلى 16 عاما، وتنفذ داخل خيم أعدت قدر الإمكان كمساحات آمنة. وفي ظل شح الآلات وتلف كثير منها، لجأ المدربون والطلاب إلى بدائل بسيطة، حيث تحولت غالونات المياه وتنكات المعلبات إلى أدوات إيقاع.
وأقسى ما واجه المشروع، بحسب خضر، أن كل مجموعة تبدأ بإظهار تحسن في الأجواء النفسية، ثم تأتي موجة نزوح جديدة فتتفرق الخيام والطلبة، ويبدأ الفريق من جديد في البحث عن مجموعة أخرى. ورغم ذلك، استمر المدربون في جمع مجموعات جديدة وتحويل كل مساحة متاحة إلى مكان يصلح للصوت والإيقاع. واليوم، يوسع المشروع حضوره ببرنامج موسيقي جديد باسم بدايات غزة، بالتعاون مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، ويشمل الغناء الجماعي وتعليم الكمان والغيتار والإيقاع والعود.
الغناء من فوق كرسي متحرك
من فوق كرسي متحرك، عاد عبد الله نطط، البالغ من العمر 31 عاما، إلى الغناء بعد شهرين فقط من بتر قدميه إثر قصف مباشر طاله في 27 سبتمبر 2024. كان معروفا قبل الحرب كمطرب في الحفلات الشعبية والطربية، وخرج من تجربة الإصابة بخيار أن يبقى صوته في المكان.
حمل عبد الله غناءه إلى أماكن النزوح ومراكز الإيواء وممرات المستشفيات، يحضر بصوته قبل كرسيه، يغني للأطفال ويقترب من حلقاتهم، ويحول التجمع العابر إلى مساحة أداء قصيرة. وعاد محمولا بخسارات كبيرة، فقد استُشهد شقيقه ووالدته بعد 7 أشهر قضاها في الجنوب بعيدا عنهما. يقول عبد الله إن الغناء هو الذي يحمله اليوم، وأن التغيير أصاب جسده فيما بقي صوته قادرا على الوصول، لذلك يحرص على أن يراه الناس من خلال فنه كمطرب يملك رسالة يحول الإصابة إلى طاقة أداء.
كيف تساهم الموسيقى في شفاء أطفال غزة؟
يوفر الغناء مساحة آمنة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم وتفريغ شحناتهم النفسية، مما يساعد على تحسين حالتهم النفسية وزيادة ثقتهم بأنفسهم بعد صدمات الحرب والنزوح المتكرر.
ما هو دور معهد إدوارد سعيد خلال العدوان على غزة؟
واصل المعهد عمله في مراكز الإيواء رغم تضرر مقره، حيث يقدم دروسا في الجوقات والآلات الموسيقية، ويستخدم أدوات بديلة مصنوعة من المواد المتاحة مثل غالونات المياه لتعليم الأطفال الإيقاع.
كيف يتأقلم الفنانون مع الإعاقات في غزة؟
يتحول الفنانون إلى مصدر إلهام، حيث يستخدمون أصواتهم وقدراتهم الفنية لمواساة الآخرين في مراكز الإيواء، مؤكدين أن الفن يبقى أقوى من الإصابة الجسدية ويمكنه تحويل الألم إلى طاقة أداء.