تونس: أزمة الدواء تكشف هشاشة الأمن الصحي وتهدد الطبقة المتوسطة
في مشهد يعيد إلى الأذهان تناقضات السياسات الاجتماعية في العالم العربي، تواجه تونس أزمة صحية خانقة تجسدت في قرار مفاجئ برفع أسعار مئات الأدوية الحيوية، ليتحول شعار الدولة الاجتماعية إلى كابوس يطارد مرضى الأمراض المزمنة. هذا القرار، الذي اتخذته الصيدلية المركزية في أواخر يوليو 2026، ليس مجرد تحديث محاسبي، بل هو انعكاس لتراكم اختلالات هيكلية عميقة في المالية العامة، ويهدد بتفكيك منظومة الأمن الصحي في البلاد.
كيف تحولت أزمة الدواء إلى ضريبة صحية قسرية؟
تخيل شابة تونسية مصابة بمرض مزمن، تذهب إلى الصيدلية لتجد أسعارا باهظة تفوق قدرتها المالية. وبسبب التعديلات القانونية الأخيرة التي قيدت الدفع بالتقسيط، تجد نفسها مضطرة لاستدانة ثمن العلاج من أقاربها. وعندما تلجأ إلى الصندوق الوطني للتأمين على المرض لاسترجاع ما دفعته، تدخل في دوامة من الإجراءات المعقدة وتنتظر أشهرا طويلة دون نتيجة. هذه القصة ليست حالة معزولة، بل هي واقع يعيشه مئات الآلاف من التونسيين، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة.
الدينار التونسي يفقد أكثر من 50% من قيمته الشرائية
يكشف التحليل العميق لهذه الأزمة عن تحول هيكلي يعود جذوره إلى قانون البنك المركزي لسنة 2016. منذ إقرار هذا القانون وانتهاج سياسة الصرف المرنة، خضع الدينار التونسي لانزلاق متواصل أمام العملات الأجنبية، مما أدى إلى تضخم كلفة التوريد. ففي عام 2016، كان اقتناء أدوية بقيمة 1158 دولارا يكلف الصيدلية المركزية حوالي 2200 دينار. أما اليوم، وفي عام 2026، أصبحت نفس الكمية تكلف الخزينة العامة ما يفوق 3400 دينار، مما يعني أن الدينار التونسي فقد أكثر من 50% من قيمته الشرائية في الأسواق العالمية.
هذا الفارق الشاسع في كلفة الصرف، الذي ظلت الصيدلية المركزية تمتصه لسنوات، قررت السلطات اليوم التخلص منه دفعة واحدة، وتمريره كاملا إلى جيب المريض التونسي. فبات المريض يدفع ثمن تهاوي عملته المحلية من صحته.
أزمة الديون المتقاطعة: تأثير الدومينو المالي
لا تمثل أزمة الصيدلية المركزية حالة معزولة، بل هي التجلي الأبرز لأزمة الديون المتقاطعة بين هياكل الدولة. تبدأ الدائرة المفرغة من الصناديق الاجتماعية التي تعاني عجزا هيكليا مزمنا، لتعجز عن سداد مستحقات الصندوق الوطني للتأمين على المرض، الذي بدوره يعجز عن سداد ديونه للمستشفيات العمومية والصيدلية المركزية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن مستحقات الصيدلية المركزية لدى الهياكل العمومية تتجاوز 1200 مليون دينار (نحو 700 مليون دينار للمستشفيات، و400 مليون دينار للصندوق الوطني للتأمين على المرض).
الصناعة المحلية ومأزق العملة الصعبة
تكتمل صورة التشخيص بالنظر إلى قطاع الصناعة الدوائية المحلية. فرغم أن تونس تمتلك نسيجا صناعيا يغطي أكثر من نصف الاحتياجات الوطنية من حيث الكميات، إلا أن هذا القطاع يعيش أزمة صامتة. فالمصانع المحلية تضطر لاستيراد المواد الأولية الفعالة بالعملة الصعبة، وتواجه تكاليف إنتاج متصاعدة. وفي المقابل، تفرض الدولة سياسة تسعير جبرية صارمة عليها. هذه المفارقة تدفع العديد من المخابر لإيقاف تصنيع أدوية حيوية تكبدها خسائر، فيختفي الدواء المحلي الرخيص، وتضطر الدولة لتوريد بديله الأجنبي بأضعاف الثمن بالعملة الصعبة، مما يعمق العجز التجاري.
نحو سياسة وطنية للأمن الدوائي
يضعنا المشهد الراهن أمام منظومة متهالكة تتطلب إصلاحا جذريا وشاملا، بعيدا عن الحلول الترقيعية وسياسة الهروب إلى الأمام. المطلوب اليوم إقرار خطة طوارئ اقتصادية لتصفية الديون المتقاطعة عبر آليات تمويل مبتكرة، وإطلاق إستراتيجية لدعم الصناعة الدوائية المحلية بامتيازات ضريبية وتحفيزية، إلى جانب التحيين الدوري والعادل للتعريفات المرجعية لمنظومة التأمين الصحي. تونس بحاجة عاجلة إلى سياسة وطنية للأمن الدوائي تحصن الصحة العامة من تقلبات التوازنات المالية العابرة، وتضع حق المواطن في العلاج فوق أي اعتبار محاسباتي.
ما هي أبرز الأسئلة حول أزمة الدواء في تونس؟
لماذا ارتفعت أسعار الأدوية في تونس فجأة؟
يعود السبب الرئيسي إلى انهيار قيمة الدينار التونسي بنسبة تجاوزت 50% منذ عام 2016، مما رفع تكاليف استيراد الأدوية. كما أن تراكم الديون المتقاطعة بين الهياكل الحكومية دفع الصيدلية المركزية لتمرير هذه التكاليف إلى المرضى.
كيف يؤثر هذا القرار على مرضى الأمراض المزمنة؟
يؤثر القرار بشكل كارثي على مرضى السكري وأمراض القلب والأمراض العصبية، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 16% من البالغين في تونس مصابون بالسكري، و10% من كبار السن يعانون من القصور القلبي. هذه الزيادات تجعل العلاج عبئا ماليا لا يطاق.
هل هناك حلول ممكنة لهذه الأزمة؟
نعم، تتطلب الأزمة خطة طوارئ تشمل تصفية الديون المتقاطعة، ودعم الصناعة الدوائية المحلية، وتحيين التعريفات المرجعية للتأمين الصحي. كما تحتاج تونس إلى سياسة وطنية للأمن الدوائي تحمي الصحة العامة من تقلبات المالية.