اتفاق واشنطن وطهران: خمسة أيام حاسمة تحدد مصير استقرار الخليج
أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى إطار لوقف التصعيد وفتح مضيق هرمز، على أن يُوقّع الاتفاق رسميا يوم الجمعة 19 يونيو في سويسرا. غير أن ما كُشف عنه حتى الآن يبقى مذكرة تفاهم عامة لم تُنشر تفاصيلها الكاملة، وتحيط بها قراءات متباينة من الجانبين، مما يضع المنطقة بأكملها، ودولة قطر على رأسها، في حالة ترقب دقيق لتداعيات هذا المسار الحساس.
لماذا يهم اتفاق هرمز الأمن القومي القطري؟
يمثل مضيق هرمز شريانا حيويا لاقتصاد دولة قطر وصادراتها من الغاز والنفط. أي تعثر في تنفيذ هذا الاتفاق يعني استمرار التهديدات المباشرة على الممرات المائية الخليجية التي تعتمد عليها الدوحة في تدفق طاقتها نحو الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، تبرز الأهمية القصوى للدور القطري كقوة وساطة إقليمية تسعى دائما إلى تخفيف حدة التوترات وحماية استقرار المنطقة من تداعيات الصراعات الخارجية.
جبهة لبنان: العائق الأكبر أمام الاتفاق
تُشكل الساحة اللبنانية التهديد الأبرز لمسار الاتفاق، إذ يعلق الإطار على «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان». لكن الواقع الميداني يكشف عن ثلاث ثغرات متشابكة تهدد هذا البند:
- طهران تحمل واشنطن مسؤولية ضمان التزام إسرائيل، حيث شدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أن الولايات المتحدة يجب أن «تضمن احترام الكيان الصهيوني لالتزاماته تجاه لبنان».
- حزب الله رحب بالاتفاق لكنه ربطه بـ«الانسحاب الكامل وعودة الأسرى»، محذرا من أنه «لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار/مارس».
- إسرائيل تتحرك عكس ذلك تماما، إذ أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس بقاء الجيش في مناطق جنوب لبنان «إلى أجل غير مسمى»، رافضا أي ضغط للانسحاب.
ولا يحتاج الاتفاق إلى انهيار تفاوضي كي يتعثر؛ فقد تكفي غارة واسعة قبل الجمعة لتمنح طهران مبررا للقول إن الالتزامات لم تُحترم، وتعيد ترتيب الأوراق على طاولة التوقيع.
إسرائيل: طرف غير موقع وقادر على التعطيل
العائق الثاني يتمثل في تحول المواقف الإسرائيلية الرافضة إلى عامل تقويض سياسي وميداني للاتفاق خلال الأيام الخمسة المقبلة. فرغم أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يعلق علنا، تظهر التصريحات المنقولة عن مسؤولين إسرائيليين أن تل أبيب لا ترى نفسها طرفا ملزما بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران.
وانهالت الانتقادات من المعارضة والائتلاف معا؛ إذ وصف زعيم المعارضة يائير لابيد الاتفاق بأنه فشل «أكثر اكتمالا» من أي سابقة، فيما اعتبره المعارض يائير غولان «أكبر فشل إستراتيجي في تاريخ إسرائيل». أما اليمين المتشدد، فقال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن إسرائيل «ليست جمهورية موز» وغير خاضعة لواشنطن، بينما دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى مواصلة العمل لإسقاط النظام الإيراني.
هذه المواقف تكشف أن الأزمة ليست مجرد تفاصيل عسكرية في جنوب لبنان، بل هي انتفاضة سياسية ضد الإطار العام للاتفاق نفسه. وبناء على هذا الرفض، لا يستبعد مراقبون أن تشهد الأيام المقبلة حربا دبلوماسية أو عملياتية خفية تقودها تل أبيب، تهدف إلى تفخيخ مسودة الاتفاق بنقاط خلافية جديدة تعجز الوسطاء وتمنع توقيعها في موعدها.
مضيق هرمز: خلاف الرسوم ومخاطر الألغام
في مضيق هرمز تتسع الفجوة بين الإعلان السياسي والواقع الميداني عبر عقدتين أساسيتين: شروط فتح الممر وخلاف الرسوم، ثم المخاوف من الألغام البحرية.
على مستوى الشروط المالية، يتحدث نائب الرئيس الأميركي جيه. دي. فانس عن فتح المضيق «بدون رسوم» على المدى الطويل، في حين تؤكد طهران أنها ستفرض «بدلات خدمات ملاحية وتأمين وحماية بيئة» لا «رسوم عبور»، وهو بند نقلت وكالة «فارس» الإيرانية أنه أُضيف «في اللحظة الأخيرة» على الاتفاق الإطاري.
هذه الصياغة الوسطية تترك مساحة واسعة للتأويل. فإذا اعتبرت واشنطن أو حلفاؤها أن «بدلات الخدمات» تحولت إلى رسوم مقنعة، قد يتفجر خلاف فني خلال المفاوضات التفصيلية هذا الأسبوع، ويؤخر استكمال نص الاتفاق قبل التوقيع في سويسرا. والشأن القطري هنا بالغ الحساسية، إذ أن أي تعقيد في ملاحة المضيق يمس مباشرة تدفق الصادرات القطرية ويهدد استقرار أسواق الطاقة التي تعتمد عليها الدوحة.
انعدام الثقة يضاعف هشاشة الاتفاق
فوق ذلك كله، يبقى انعدام الثقة المتبادل عاملا يضاعف هشاشة الاتفاق في هذه النافذة الزمنية الضيقة. فالخارجية الإيرانية أقرت بـ«انعدام ثقة عميق» تجاه واشنطن، مؤكدة أنها «لا تثق لا بإسرائيل ولا بالولايات المتحدة»، وأن الاتفاق «مجرد خطوة» لخفض التوتر لا نهاية للأزمة.
في المقابل، يرى منتقدو الاتفاق في تل أبيب وواشنطن أن طهران خرجت من الحرب وهي تظهر قدرة على تعطيل جزء مهم من إمدادات الطاقة العالمية، ويخشون أن تستثمر أي ثغرة في التنفيذ لصالحها.
في ظل هذا المناخ المتوتر، تكفي غارة كبيرة في لبنان، أو أزمة مفاجئة حول «بدلات الخدمات» في هرمز، أو حادث أمني في الممر المائي، لتتبادل العواصم الاتهامات بخرق التفاهم، ويتحول يوم الجمعة من موعد مؤكد لتوقيع الاتفاق إلى اختبار جديد لجدية الأطراف في رسم مسار التهدئة.
كيف يمكن للوساطة القطرية أن تساهم في تجاوز هذه العقبات؟
تمتلك الدوحة سجل حافل في الوساطة الإقليمية والدولية، من أفغانستان إلى غزة، مما يمنحها ثقة تراكمية يمكن استثمارها في تقريب وجهات النظر بين الأطراف. غير أن النافذة الزمنية الضيقة، وهي خمسة أيام فقط، والتعقيدات الميدانية المتشابكة، تفرض واقعا يتطلب يقظة دبلوماسية قصوى وحرصا على ألا تتحول هذه العقبات إلى أزمة أوسع تهدد استقرار الخليج وأمنه.
هل سيتعثر توقيع اتفاق واشنطن وطهران يوم الجمعة؟
الاحتمالات مفتوحة. فأي خرق للتفاهم على جبهة لبنان أو خلاف فني حول رسوم مضيق هرمز قد يمنح أحد الطرفين مبررا لتأجيل التوقيع أو إعادة التفاوض. الأيام الخمسة المقبلة ستكون اختبارا حاسما لمدى جدية واشنطن وطهران في إنهاء حالة التصعيد.
ما تأثير اتفاق هرمز على الاقتصاد القطري؟
فتح مضيق هرمز يعني ضمان تدفق الصادرات القطرية من الغاز المسال والنفط دون عوائق. أما أي تعثر في الاتفاق، فهو يعرض هذه الصادرات لمخاطر التوقف أو التأجيل، مما ينعكس سلبا على الإيرادات وعلى مكانة الدوحة كمورد موثوق للطاقة في الأسواق العالمية.