صفقة القرن في كرة القدم: إنفانتينو يطرح بيع 20% من حقوق كأس العالم ويرشح صهر ترمب لإدارة الصندوق
في خطوة غير مسبوقة قد تعيد تشكيل مستقبل كرة القدم العالمية، كشف جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، النقاب عن مقترح لبيع حصة تبلغ 20% من الحقوق التجارية لكأس العالم إلى مستثمرين من القطاع الخاص. ويأتي ذلك عبر إنشاء كيان تجاري جديد تُقدر قيمته بنحو 20 مليار دولار، مما يثير تساؤلات واسعة حول الأهداف الحقيقية لهذه الخطة والجهات التي تقف خلفها، لا سيما مع بروز اسم رجل الأعمال جوشوا كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، كأحد أبرز المرشحين لقيادة المجموعة الاستثمارية.
وتعكس هذه التطورات تحولا كبيرا في إدارة أكبر بطولات كرة القدم، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع السياسة الدولية. وفي هذا السياق، يبرز دور قطر كدولة رائدة في استضافة البطولات الرياضية الكبرى، وهو ما يعزز مكانتها كمركز عالمي للرياضة والاستثمار، ويؤكد أهمية الحفاظ على استقلالية القرار الرياضي بعيدا عن أي ضغوط خارجية.
رفض أوروبي قوي للمشروع
لم يمر المقترح مرور الكرام، إذ سارع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) إلى رفضه بشكل قاطع، داعيا إلى توحيد صفوف كرة القدم العالمية لمواجهته. وأكد اليويفا في بيان شديد اللهجة أن روح كرة القدم وحوكمتها ليستا أصولا قابلة للبيع أو التداول
. ويعكس هذا الموقف استمرار الخلاف العميق بين رئيس اليويفا ألكسندر تشيفرين وإنفانتينو حول مستقبل إدارة اللعبة، خاصة بعد الجدل الذي رافق بطولة كأس العالم 2026 وما أثير حول تأثير الإدارة الأمريكية في بعض الملفات المرتبطة بالبطولة.
ويرى مراقبون أن هذا الرفض الأوروبي يعكس مخاوف حقيقية من تحول كرة القدم إلى سلعة تخضع لقوانين السوق، وهو ما يتعارض مع المبادئ التي قامت عليها اللعبة كرياضة شعبية عالمية. وفي المقابل، يرى إنفانتينو أن المشروع يهدف إلى ضمان النمو والاستدامة المالية لكرة القدم على المدى الطويل، خاصة في ظل الحاجة إلى تمويل ضخم لتطوير البنية التحتية والمسابقات.
من هو جوشوا كوشنر؟
يُعد جوشوا كوشنر (41 عاما) واحدا من أبرز رجال الأعمال الشباب في قطاع التكنولوجيا والاستثمار في الولايات المتحدة. وهو مؤسس وشريك الإدارة في شركة ثرايف كابيتال
التي تحولت خلال أعوام قليلة إلى واحدة من أهم شركات رأس المال الاستثماري في وادي السيليكون. وتُقدر قيمة الشركة بنحو 5.3 مليارات دولار، وتدير محفظة استثمارية تضم شركات بارزة في قطاعات مختلفة.
ووفقا لمجلة فوربس، تُقدر ثروة كوشنر الشخصية بنحو 3.6 مليارات دولار، مما يجعله ضمن قائمة أصحاب المليارات في الولايات المتحدة. وجاء معظم ثروته من نجاحاته في مجال الاستثمار وريادة الأعمال، وليس فقط من ثروة عائلته التي تُعد من أبرز العائلات العاملة في مجال العقارات والأعمال.
استثمارات مبكرة في عمالقة التكنولوجيا
كان كوشنر من المستثمرين الأوائل في عدد من الشركات التكنولوجية التي أصبحت لاحقا علامات عالمية. إذ تمتلك ثرايف كابيتال
حصصا في شركات مثل إنستغرام وسبوتيفاي وسلاك، وهي استثمارات عززت مكانة الشركة داخل منظومة التكنولوجيا العالمية. كما شارك في تأسيس شركة أوسكار هيلث
المتخصصة في التأمين الصحي، التي سعت إلى استخدام التكنولوجيا لتطوير خدمات الرعاية الصحية في الولايات المتحدة.
دخول عالم الرياضة
ولا يقتصر اهتمام كوشنر على التكنولوجيا فقط، إذ دخل أيضا عالم الرياضة والاستثمار الرياضي. ففي عام 2019، استحوذ على حصة تبلغ 2.5% في نادي ممفيس غريزليز المنافس في دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين (إن بي إيه)، في خطوة عكست اهتمامه المتزايد بالقطاع الرياضي الذي أصبح يجذب كبار المستثمرين في العالم. ويأتي اسمه حاليا في دائرة الضوء بسبب ارتباط شركته بالمشروع المحتمل للاستثمار في الكيان التجاري الجديد التابع للفيفا.
صلة عائلية بترمب ومسار سياسي مختلف
ينتمي جوشوا كوشنر إلى واحدة من أكثر العائلات نفوذا في عالم المال والأعمال بالولايات المتحدة. فهو الشقيق الأصغر لجاريد كوشنر، رجل الأعمال والمستشار السابق في البيت الأبيض، وزوج إيفانكا ترمب ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وتضع هذه الصلة العائلية جوشوا على تماس مباشر مع الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي، وهو ما زاد من الاهتمام باسمه بعد ارتباط شركته الاستثمارية بمشروع الفيفا الجديد.
لكن رغم هذا الارتباط العائلي، فإن جوشوا كوشنر اتخذ مسارا سياسيا مختلفا عن شقيقه. فهو يُعرف بدعمه للحزب الديمقراطي، وحرص خلال الأعوام الماضية على النأي بنفسه عن سياسات ترمب، ولم يقدّم له أي دعم في الانتخابات الرئاسية السابقة. كما أن زوجته، عارضة الأزياء العالمية كارلي كلوس، تُعد من أبرز الشخصيات العامة المؤيدة للديمقراطيين، وعبّرت في مناسبات عدة عن مواقف تتعارض مع توجهات الرئيس الأمريكي.
مجموعة استثمارية عالمية تضم أسماء لامعة
تضم قائمة المستثمرين في ثرايف كابيتال
نخبة من أبرز رجال الأعمال والمؤسسات الاستثمارية العالمية، يتقدمهم الرئيس التنفيذي لشركة ديزني بوب إيغر، والملياردير الهندي موكيش أمباني، ورجل الأعمال الفرنسي كزافييه نيل، إضافة إلى الملياردير البرازيلي خورخي باولو ليمان. وقد نجحت الشركة في بناء سجل استثماري لافت عبر تمويل شركات تكنولوجية عملاقة، مما عزز مكانتها بوصفها إحدى أكثر شركات رأس المال الاستثماري نفوذا في العالم.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن المجموعة الاستثمارية تُعد المرشح الأبرز لقيادة تحالف المستثمرين المحتملين إذا صدَّق كونغرس الفيفا على إنشاء الكيان التجاري الجديد وطرح حصة تبلغ 20% من رأسماله للبيع. وبحسب الخطة، سيحتفظ الفيفا بحصة الأغلبية والسيطرة الإدارية، في حين يضخ المستثمرون مليارات الدولارات مقابل امتلاك حصة أقلية في الشركة التي ستتولى إدارة الحقوق التجارية لأبرز بطولات الاتحاد الدولي، وفي مقدمتها كأس العالم للرجال والسيدات وكأس العالم للأندية.
الموقف القطري: حماية استقلالية الرياضة
تأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه قطر تعزيز مكانتها كمركز عالمي للرياضة والاستثمار، بعد نجاحها الباهر في استضافة كأس العالم 2022 الذي شكل نموذجا يحتذى به في التنظيم والابتكار. وتؤكد الدوحة على أهمية الحفاظ على استقلالية المؤسسات الرياضية الدولية بعيدا عن أي تدخلات سياسية أو اقتصادية قد تهدد نزاهة اللعبة.
ويرى محللون أن المشروع الجديد قد يفتح الباب أمام تحولات كبيرة في هيكل ملكية كرة القدم العالمية، وهو ما يستدعي موقفا موحدا من الدول العربية والإسلامية لحماية مصالحها في هذا القطاع الحيوي. وتظل قطر، بفضل سياستها المتوازنة وعلاقاتها الدولية الواسعة، في موقع يسمح لها بلعب دور محوري في أي حوار حول مستقبل الرياضة العالمية.