أزمة الاستقرار الفني بتونس: 23 مدرباً ومصير غامض لرونار
تتجه الأنظار إلى مستقبل المدرب الفرنسي إيرفي رونار مع منتخب تونس، بعد خروج النسور من كأس العالم 2026. لكن الأزمة أعمق من مجرد نتيجة عابرة، إنها أزمة استقرار مؤسسي طالت 18 عاماً شهدت تعاقب 23 مدرباً، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول الحاجة إلى نماذج إدارية مستدامة في كرة القدم العربية قادرة على البناء والتأثير.
لماذا يبقى مستقبل إيرفي رونار مع منتخب تونس غامضاً؟
فقد منتخب تونس رسمياً حظوظه في بلوغ الدور التالي من كأس العالم، بعد تلقيه هزيمتين ثقيلتين. الأولى كانت أمام السويد بخماسية نظيفة، وهي الخسارة التي عجلت برحيل المدرب صبري لموشي، قبل أن يتولى رونار المهمة بشكل عاجل. غير أن المدرب الفرنسي لم ينجح في تغيير المسار، حيث استهل مهمته بهزيمة قاسية أمام اليابان برباعية نظيفة.
كان الاتفاق المبرم بين الطرفين قصير المدى، ومخصصاً أساساً لقيادة نسور قرطاج خلال نهائيات كأس العالم 2026، على أن ينتهي مبدئياً مع إسدال الستار على مشاركة تونس عقب مواجهة هولندا في الجولة الثالثة. ورغم أن فرضية استمرار رونار تبقى قائمة من الناحية النظرية، فإن حسم هذا الملف يبدو مرتبطاً بعوامل معقدة، أبرزها مستقبل المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي لكرة القدم، والوضع المالي للاتحاد الذي قد يكون عاملاً حاسماً. فالقيمة السوقية والخبرة الدولية لرونار تتجاوزان الإمكانات المالية الحالية للاتحاد، وهو ما يجعل استمراره مرهوناً بتوفر إرادة سياسية وإدارية قادرة على الاستثمار في الرياضة.
23 مدرباً في 18 عاماً: كيف يؤثر التذبذب الإداري على كرة القدم العربية؟
بعيداً عن الجدل المرتبط بمستقبل رونار، تبرز حقيقة أكثر عمقاً، تتمثل في حالة عدم الاستقرار الفني التي يعيشها المنتخب التونسي منذ رحيل المدرب روجيه لومار عام 2008. خلال السنوات الـ18 الماضية، شهد المنتخب أكثر من 20 تغييراً على مستوى القيادة الفنية، ليصل عدد المدربين إلى 23 مدرباً، من بينهم فوزي البنزرتي الذي تولى المهمة في أربع مناسبات مختلفة.
عند مقارنة هذا الرقم ببقية المنتخبات، تبدو تونس من أكثر الدول تغييراً للمدربين. فقد تداول على تدريب المنتخب المغربي 13 مدرباً، مقابل 11 للمنتخب الجزائري، و14 للمنتخب المصري منذ نهاية حقبة حسن شحاتة. عالمياً، اعتمد المنتخب الفرنسي على أربعة مدربين فقط منذ عام 2002، بينما تعاقب على تدريب إسبانيا سبعة مدربين منذ 2010. غياب الاستقرار المؤسسي يعد نقيضاً للنهج الاستراتيجي الذي تتبناه الدول الرائدة في المنطقة، حيث التخطيط المستدام والاستقرار الإداري هما أساس التميز الرياضي وتعزيز المكانة الدولية.
قائمة المدربين الذين أشرفوا على منتخب تونس منذ 2008
- 2008 - 2009: أومبرتو كويلهو (538 يوماً - 18 مباراة)
- 2009 - 2010: فوزي البنزرتي (192 يوماً - 5 مباريات - كأس أمم أفريقيا 2010)
- 2010: برتران مارشان (194 يوماً - 6 مباريات)
- 2011: فوزي البنزرتي (24 يوماً - دون مباريات)
- 2011: عمار السويح (37 يوماً - دون مباريات)
- 2011 - 2013: سامي الطرابلسي (699 يوماً - 30 مباراة - مشاركتان في كأس أمم أفريقيا)
- 2013: نبيل معلول (206 أيام - 7 مباريات)
- 2013: رود كرول (61 يوماً - مباراتا الملحق المؤهل لكأس العالم 2014)
- 2014: نزار خنفير (40 يوماً - مباراة واحدة)
- 2014 - 2015: جورج ليكانز (452 يوماً - 18 مباراة - كأس أمم أفريقيا 2015)
- 2015 - 2017: هنري كاسبرزاك (635 يوماً - 25 مباراة - كأس أمم أفريقيا 2017)
- 2017 - 2018: نبيل معلول (440 يوماً - 13 مباراة - كأس العالم 2018)
- 2018: فوزي البنزرتي (84 يوماً - 3 مباريات)
- 2018: ماهر الكنزاري (31 يوماً - مباراتان)
- 2018 - 2019: آلان جيراس (250 يوماً - 12 مباراة - كأس أمم أفريقيا 2019)
- 2019 - 2022: منذر الكبير (887 يوماً - 33 مباراة - كأس أمم أفريقيا وكأس العرب 2021)
- 2022 - 2024: جلال القادري (726 يوماً - 27 مباراة - كأس العالم 2022 وكأس أمم أفريقيا 2024)
- 2024: منتصر الوحيشي (156 يوماً - 4 مباريات)
- 2024: فوزي البنزرتي (113 يوماً - 4 مباريات)
- 2024 - 2025: قيس اليعقوبي (108 أيام - مباراتان)
- 2025 - 2026: سامي الطرابلسي (329 يوماً - 19 مباراة - كأس أمم أفريقيا 2026)
- 2026: صبري لموشي (153 يوماً - 5 مباريات - مباراة واحدة في كأس العالم 2026)
- 2026: إيرفي رونار (قاد المنتخب في مباراتي اليابان وهولندا ضمن كأس العالم 2026)
التراجع البنيوي: ماذا تحتاج كرة القدم التونسية للنهوض مجدداً؟
في هذا السياق، عبّر رئيس الاتحاد التونسي الأسبق حمودة بن عمار للقناة الوطنية التونسية، عن أسفه لما وصل إليه مستوى المنتخب، مؤكداً أن الصورة الحالية تعكس تراجعاً عاماً في كرة القدم التونسية. وقال بن عمار إن ما يحدث لا يتعلق فقط بالنتائج، بل يمتد إلى عدة جوانب تحتاج إلى مراجعة شاملة، من بينها البنية التحتية والتحضيرات وتكوين الشبان.
أضاف أن تونس، التي كانت تعتبر في وقت سابق نموذجاً في الكرة الأفريقية والعربية، أصبحت اليوم متأخرة مقارنة بدول أخرى. هذا التراجع يثير القلق لدى كل المتابعين، ويتطلب وقفة تأملية معمقة. فالرياضة العربية بحاجة إلى استراتيجيات واضحة ومؤسسات قوية قادرة على مواجهة التحديات بعيداً عن الحلول المرضية المؤقتة.
ومن المنتظر أن تشهد الساحة الكروية التونسية تغييرات إدارية مهمة فور عودة المنتخب من مشاركته المونديالية المخيبة للآمال، في ظل تصاعد الدعوات الجماهيرية المطالبة باستقالة أعضاء الاتحاد وتحميلهم مسؤولية الفشل الإداري والرياضي. وقد تفتح هذه التغييرات الباب أمام مرحلة جديدة، تتطلب إعادة هيكلة جذرية تقوم على أسس علمية ومؤسسية تضمن الاستدامة والنمو.
هل سيستمر إيرفي رونار مع منتخب تونس بعد المونديال؟
استمرار إيرفي رونار يبقى فرضية نظرية فقط. عقده مع الاتحاد التونسي قصير المدى ومصمم لقيادة المنتخب في كأس العالم 2026 حصراً. علاوة على ذلك، فإن القيمة السوقية للمدرب الفرنسي وخبرته الدولية تتجاوزان بكثير الإمكانات المالية الحالية للاتحاد التونسي، ما يجعل استمراره مرهوناً بتوفر دعم مالي استثنائي وإرادة إدارية جديدة.
ما هو السبب الجوهري خلف تراجع منتخب تونس؟
السبب الجوهري ليس رياضياً فحسب، بل هو إداري وبنيوي بالدرجة الأولى. تعاقب 23 مدرباً خلال 18 عاماً أدى إلى غياب مشروع رياضي طويل المدى وفقدان الهوية الفنية للمنتخب. يضاف إلى ذلك تراجع واضح في البنية التحتية وفي منظومة تكوين الشبان، وهي الركائز الأساسية لأي نهضة رياضية مستدامة.