الراحة بين الموسمين: صراع اللوائح وضغط المباريات على نجوم الكرة
مع انتهاء كأس العالم الأخيرة، حصل نجوم كرة القدم الدولية على فرصة نادرة للراحة قبل انطلاق الموسم الجديد. لكن في عالم كرة القدم المعاصر، أصبح العثور على فترة كافية للاستجمام بين نهاية موسم وبداية آخر تحديا متزايدا، خاصة مع توسع البطولات الكبرى. هذا الوضع يثير تساؤلات حول حقوق اللاعبين التعاقدية وضغوط الجدول المزدحم، وهو ما يهم الجماهير القطرية التي تتابع نجومها في الدوري المحلي والأندية الأوروبية.
ما هي حقوق اللاعبين في الإجازة السنوية؟
يوضح أليكس كلارك، المسؤول عن قسم قانون العمل في شركة “أونسايد لو”، أن لاعبي كرة القدم يعتبرون موظفين من الناحية القانونية، وبالتالي يحق لهم الحصول على الحد الأدنى من الإجازة السنوية المنصوص عليه في قوانين العمل. لكن طبيعة مهنتهم تجعل الوضع مختلفا، إذ يحق للاعب تعاقديا الحصول على خمسة أسابيع من الإجازة السنوية، ويمكنه نظريا طلبها في أي وقت، حتى خلال الموسم.
لكن الواقع مختلف، إذ يحق للنادي رفض مثل هذه الطلبات. ولذلك يحصل اللاعبون عادة على كامل إجازاتهم خلال فترة توقف الموسم، بين نهاية الموسم السابق وبدء التحضيرات للموسم الجديد. كما ينص العقد على حق اللاعب في الحصول على ثلاثة أسابيع متتالية على الأقل من الإجازة السنوية، وهو طلب لا يمكن للنادي رفضه بشكل غير معقول، مع مراعاة التزامات اللاعب مع فريقه أو منتخب بلاده.
كيف يحسب موسم العمل للاعبي كرة القدم؟
يوضح دان تشابمان، رئيس قسم الرياضة والعمل في شركة “ليثس برايور” للمحاماة، أن سنة الإجازة بالنسبة للاعبي كرة القدم تمتد من الأول من يوليو إلى 30 يونيو، وليس وفق السنة الميلادية كما هو الحال بالنسبة لمعظم الموظفين. وعادة ما يخوض اللاعبون آخر حصة تدريبية لهم في مايو، ثم يعودون إلى التدريبات التحضيرية في أواخر يونيو أو أوائل يوليو.
خلال هذه الفترة، قد يُطلب من بعض اللاعبين الحضور لإجراء اختبارات لياقة أو تلقي علاج طبي، لكن معظم الأندية تمنح اللاعبين الجزء الأكبر من إجازاتهم، إن لم يكن كلها، دفعة واحدة بين الموسمين. ويشير تشابمان إلى أن بعض اللاعبين قد يحصلون عمليا على نحو سبعة أسابيع من الراحة بين نهاية موسم وبداية آخر، بحسب موعد انتهاء الموسم وموعد العودة إلى التدريبات.
ماذا عن نجوم المنتخبات المشاركين في البطولات الدولية؟
تصبح المسألة أكثر تعقيدا بالنسبة للاعبين الذين يشاركون في البطولات الدولية الكبرى. وتشير رابطة اللاعبين المحترفين العالمية “فيفبرو” إلى أن جدول المباريات شبه المتواصل، إلى جانب البطولات الصيفية الكبرى، يجعل من الصعب على اللاعبين الحصول على فترة راحة حقيقية. خصوصا أن بعض المشاركين في كأس العالم يعودون سريعا إلى أنديتهم للمشاركة في الأدوار التمهيدية للمسابقات الأوروبية.
ويؤكد كلارك أن اللاعبين البارزين يملكون، مثل غيرهم، حقا في ثلاثة أسابيع متتالية من الإجازة، لكن الالتزامات الدولية أو المشاركة في كأس العالم للأندية قد تجعل من المستحيل عمليا الحصول عليها في الموعد المعتاد. وفي هذه الحالة، من المفترض أن تمتد فترة الراحة بعد العودة من الالتزامات الدولية، بما يسمح للاعب ببدء تحضيراته للموسم في وقت متأخر.
لكن الواقع أن كثيرا من اللاعبين يفضلون العودة إلى التدريبات سريعا، مدفوعين برغبتهم في الحفاظ على جاهزيتهم البدنية، كما لا يريدون الغياب عن بداية فترة الإعداد والتأخر عن حسابات مدربيهم. ويقول كلارك إن اللاعب يملك الحق في الإصرار على الحصول على إجازته القانونية كاملة، لكن معظم اللاعبين لن يختاروا ببساطة التغيب عن بداية التحضيرات إذا طلب النادي حضورهم.
هل تحدث نزاعات بين اللاعبين والأندية بسبب الإجازات؟
يتفق الخبراء القانونيون على أن اعتراض اللاعبين على طريقة احتساب إجازاتهم أو توقيتها أمر نادر للغاية. ويقول كلارك إنه لم ير سوى حالة نادرة للاعب أثار المسألة خلال نزاع أكبر مع ناديه، بعدما تم استبعاده من الفريق، حيث اتهم النادي بحرمانه من إجازاته على مدى سنوات. أما تشابمان، فيقول إنه لم يواجه لاعبا رفع نزاعا بشأن الإجازة السنوية، لكنه رأى مثل هذه الخلافات بين المدربين وأعضاء الأجهزة الفنية، الذين قد يجدون صعوبة أكبر في الحصول على عطلاتهم، لأن عملهم يستمر حتى بعد نهاية المباريات.
ما هو مطلب روابط اللاعبين بخصوص الراحة الإلزامية؟
تطالب روابط اللاعبين، وفي مقدمتها “فيفبرو”، منذ فترة طويلة بفرض حد أدنى إلزامي للراحة مدته 28 يوما متتاليا، يتبعه 28 يوما أخرى لإعادة التأهيل والتدريب التدريجي. وترى هذه الروابط أن كرة القدم لا توفر حاليا ضمانات محددة كافية لحماية اللاعبين من آثار ضغط الجدول المتزايد.
وبرزت هذه المشكلة بوضوح مع النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية، عندما حصل تشيلسي وباريس سان جيرمان، طرفا النهائي، على 20 و22 يوما فقط من الراحة على التوالي، قبل خوض فترة إعداد قصيرة للغاية للموسم الجديد. وتبدو هذه الأرقام أكثر إثارة للقلق عند مقارنتها بالرياضات الأخرى؛ إذ يحصل أحد طرفي نهائي دوري كرة السلة الأميركي على نحو 14 أسبوعا من الراحة، بينما يحصل لاعب شارك في بطولة العالم للبيسبول على 15 أسبوعا.
وقال كريس وود، مهاجم نوتنغهام فورست والمنتخب النيوزيلندي وعضو المجلس العالمي للاعبين في “فيفبرو”، إن الحصول على فترة تعافٍ كافية أمر بالغ الأهمية حتى يتمكن الجسم من التأقلم واستعادة قدرته على المنافسة. ويحذر الخبراء من أن قصر فترات الراحة يزيد خطر الإرهاق والإصابات، وهو ما يفسر مطالبة روابط اللاعبين بفرض إجازة إلزامية مدتها 28 يوما.
ويشير تشابمان إلى أن رياضات أخرى اتخذت بالفعل إجراءات مماثلة، مستشهدا ببطولة العالم للفورمولا 1، التي تفرض توقفا صيفيا إلزاميا لمدة أسبوعين، تُغلق خلاله المصانع ويُمنع العمل في الفرق. ويرى أن تطبيق إجراء مشابه في كرة القدم قد يكون منطقيا من الناحية النظرية، لكنه يختتم بالقول: “لكن المال يتحدث”.
في قطر، حيث تستضيف الدوحة بطولات كبرى مثل كأس العالم 2022 وكأس آسيا، يظل الاهتمام بصحة اللاعبين وراحتهم أولوية تعكس التزام الدولة بتطوير الرياضة وفق أعلى المعايير الدولية. ومع استمرار الجدول المزدحم، تبقى مسألة تحقيق التوازن بين متطلبات المنافسة وحقوق اللاعبين تحديا عالميا يحتاج إلى حلول مبتكرة.