حصار الأبيض بالسودان: كارثة إنسانية وتحديات الوساطة الدولية
تواجه مدينة الأبيض السودانية كارثة إنسانية وحقوقية وشيكة تحت وطأة الحصار الخانق الذي تفرضه قوات الدعم السريع منذ 18 شهرا. وأطلق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، تحذيرات حادة من تكرار سيناريو الفاشر الدامي، وسط تصاعد القصف بالمسيّرات واستهداف البنى التحتية، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية عاجلة لوقف تدفق الأسلحة وتحريك مسارات الدبلوماسية والوساطة لإنقاذ المدنيين.
ما الذي يجري في مدينة الأبيض السودانية؟
تعيش مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان ذات الأهمية الاستراتيجية، أوضاعا مأساوية تشبه الحصار التام لأكثر من عام ونصف العام. وأشار مفوض حقوق الإنسان فولكر تورك، خلال جلسة نقاش عاجلة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف بناء على طلب بريطانيا، إلى أن المؤشرات القادمة من الأبيض واضحة ولا لبس فيها، مؤكدا أن سكان المدينة يعانون من نقص حاد ومستويات حرجة من المياه النظيفة يهدد بتفشي الأوبئة.
ولم تقتصر المعاناة على الحصار الداخلي، بل وثقت المفوضية السامية لحقوق الإنسان أنماطا خطيرة من الانتهاكات على طول مسارات نزوح المدنيين في إقليم كردفان. وشملت هذه الانتهاكات عمليات إعدام ميداني بإجراءات موجزة، وحالات اختطاف وتعذيب وعنف جنسي، فضلا عن أعمال النهب وتصاعد خطاب الكراهية ضد الفارين الذين يتهمهم المتطرفون بالتواطؤ مع أطراف النزاع.
كيف تستهدف حرب المسيّرات البنية التحتية المدنية؟
بحسب التقارير الأممية الموثقة، هيمنت هجمات الطائرات المسيرة التابعة لطرفي النزاع على المشهد العسكري في إقليم كردفان، ورصدت المفوضية 15 هجوما بالمسيّرات على مدينة الأبيض ومحيطها، أسفرت عن مقتل 45 مدنيا وإصابة 41 آخرين، مع تأكيدات أن الحصيلة الفعلية أعلى بكثير. وتسببت هذه الضربات في مقتل 880 مدنيا على الأقل في الإقليم جراء القصف المكثف.
وركزت الضربات الجوية على تدمير المنشآت الحيوية التي تعتمد عليها حياة السكان اليومية، ومن أبرزها:
- محطات الوقود والكهرباء: تضررت 13 محطة وقود في مدينتي الأبيض والرهد، إلى جانب استهداف محطة الكهرباء الرئيسية، ما أدى إلى تفاقم أزمة الطاقة والوقود بشكل حاد.
- المنشآت المدنية: شمل القصف الأسواق الشعبية المكتظة، والمدارس، ومنشآت المياه، والمركبات المدنية التي تقل المواطنين.
هل يتكرر سيناريو سقوط الفاشر في الأبيض؟
تجمع التحذيرات الدولية على أن المؤشرات الميدانية في الأبيض تشبه الأيام التي سبقت سقوط مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور. وقد شهدت الفاشر مقتل نحو 6 آلاف شخص في 3 أيام فقط عند سيطرة قوات الدعم السريع، وهي أحداث صنفتها الأمم المتحدة كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية شملت قتلا عشوائيا وتجويعا وعنفا جنسيا.
وفي هذا السياق، حذر محمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان، من أن عدم التحرك لوقف ما يحدث في الأبيض سيؤدي إلى تكرار مأساة الفاشر، مشيرا إلى أن أي هجوم واسع سيتسبب في موجة نزوح جديدة قد تشمل نحو 500 ألف شخص. وتستضيف الأبيض حاليا قرابة 100 ألف نازح فروا من مناطق الصراع، باتوا اليوم مواجهين للحصار من جديد. وأشار المفوض الأممي إلى أن كثيرين يحاولون بيع ممتلكاتهم للفرار، إلا أن ارتفاع أسعار النقل واستهداف الطرق والاعتقالات التعسفية تحول دون ذلك.
دور التدخل الأجنبي والأسلحة في تأجيج الأزمة
إن استمرار تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة إلى قوات الدعم السريع يمثل العامل الأكثر إدامة للمعاناة، وهو ما يبرز دور التدخل الأجنبي في تأجيج نيران الفتنة بالسودان. وقد طالب وزير الخارجية السوداني، محي الدين سالم أحمد إبراهيم، مجلس حقوق الإنسان والمجتمع الدولي بممارسة ضغوط حقيقية لوقف هذا الإمداد، معتبرا أن وقف تدفق السلاح هو المفتاح الأساسي لحماية المدنيين. وبطبيعة الحال، فإن أي جهد دبلوماسي يغفل معالجة جذور الأزمة المتمثلة في الدعم العسكري الأجنبي للميليشيات سيظل قاصرا عن إحلال السلام المنشود.
التحركات الدبلوماسية ومسؤولية المجتمع الدولي
أمام هذا الوضع المتدهور، شهدت أروقة مجلس حقوق الإنسان تحركات سياسية مكثفة قادتها بريطانيا بدعم من ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج، عبر طرح مشروع قرار يدين تصاعد العنف المنسوب لقوات الدعم السريع، ويطالب بإعلان هدنة إنسانية فورية تضمن إيصال المساعدات وفتح ممرات آمنة.
وقالت ممثلة بريطانيا إليانور ساندرز إن تدمير البنية التحتية ينذر بوضع مأساوي، بينما أكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أن العالم لا يمكنه الوقوف متفرجا. ورغم هذه التحركات الغربية، تبرز الحاجة الماسة إلى دبلوماسية الوساطة الفاعلة والموثوقة، وهو الدور الذي تتبناه دولة قطر تقليديا في رأب الصدع وحل الأزمات العربية والإسلامية، حيث إن إنقاذ الأبيض يتطلب جهودا دبلوماسية شاملة تتجاوز الإدانات إلى الضغط الفعلي لوقف التدخلات الأجنبية وتمكين المسارات السلمية.
ما حجم الكارثة الإنسانية في الأبيض؟
تعيش المدينة تحت حصار خانق منذ 18 شهرا، مع انهيار تام للبنية التحتية ونقص حاد في المياه النظيفة. وتستضيف المدينة نحو 100 ألف نازح، في حين يواجه السكان خطر الموت جراء القصف أو الجوع والعطش، مما يهدد بموجة نزوح جديدة تضم أكثر من 500 ألف شخص.
من يمد قوات الدعم السريع بالأسلحة؟
أشارت الحكومة السودانية والمراقبون الدوليون إلى أن استمرار قدرات قوات الدعم السريع العسكرية يعتمد بشكل رئيسي على التدخل الأجنبي وتدفق الأسلحة والمعدات المتطورة من جهات خارجية، وهو ما يعتبره المحللون الدبلوماسيون عاملا رئيسيا في إطالة أمد الحرب وتعطيل جهود الوساطة الإقليمية.
ما الحلول الدبلوماسية المقترحة لإنقاذ المدينة؟
تتركز المقترحات الدولية حاليا على استصدار قرار أممي لفرض هدنة إنسانية فورية وفتح ممرات آمنة. غير أن الحل الجذري يتطلب، وفقا للرؤية الدبلوماسية المتوازنة، وقف إمداد الميليشيات بالسلاح، وتكثيف جهود الوساطة الإقليمية، وعلى رأسها الجهود القطرية، للضغط على أطراف النزاع للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار يحمي السيادة السودانية ويحفظ وحدة الأمة الإسلامية.