كيف أعاد سموتريتش تشكيل خريطة الضفة؟ قراءة في تسريع الاستيطان
في مشهدٍ يعكس تحولاً نوعياً في السياسة الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، برز اسم وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش كعنوان رئيسي لمرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. فمنذ دخوله الحكومة، لم يكتفِ الرجل بدفع عجلة البناء، بل سعى إلى إعادة هيكلة المنظومة الإدارية والقانونية برمتها، مختصراً الزمن اللازم لتحويل المخططات إلى وقائع ملموسة على الأرض، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وديموغرافية بالغة الخطورة على مستقبل القضية الفلسطينية.
من التنظير إلى التنفيذ: خطة الحسم
لم تبدأ قصة سموتريتش مع الاستيطان مع دخوله الحكومة، بل سبقها بسنوات، حين بلور عام 2017 ما سماه خطة الحسم، القائمة على فرض وقائع ميدانية تعرقل قيام دولة فلسطينية وتكرّس السيطرة الإسرائيلية على الأرض. ومع وصوله إلى الحكومة، انتقل من التنظير إلى التنفيذ، فلم يكتفِ بدفع التوسع الاستيطاني، بل سعى للسيطرة على الآليات الإدارية والقانونية التي تحدد أين وكيف ومتى يُبنى الاستيطان، محولاً إياه من مشروع توسعي إلى منظومة لإعادة تشكيل واقع الضفة.
الاستيطان كإدارة: سيطرة على القرار
مع تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو أواخر 2022، جعل سموتريتش السيطرة على الملفات المدنية في الضفة الغربية مطلباً أساسياً، وحصل في فبراير/شباط 2023 على صلاحيات واسعة في الإدارة المدنية، إحدى أذرع الجيش، تشمل مجالات التخطيط والبناء والأراضي وإنفاذ قوانين البناء، إضافة إلى إنشاء إدارة الاستيطان في وزارة الدفاع تحت مسؤوليته. وقد نقلت هذه الخطوة جانباً كبيراً من إدارة الاستيطان من المسار العسكري إلى منظومة مدنية خاضعة لنفوذ سياسي مباشر، ما جعل التحول لا يتعلق فقط بزيادة البناء، بل بتسريع الإجراءات التي تسبقه.
تسريع التخطيط والبناء: اختصار الزمن
في يونيو/حزيران 2023، غيّرت الحكومة الإسرائيلية إجراءات التخطيط في المستوطنات، ومنحت سموتريتش دوراً مركزياً في المصادقة على خطط البناء، مع تقليص الحاجة إلى موافقة وزير الدفاع. وبحسب حركة السلام الآن الإسرائيلية، يكمن جوهر التحول في تقليص الزمن اللازم لتحويل المخططات إلى واقع، وليس فقط زيادة عددها؛ فكلما تسارعت الإجراءات، تراكم التوسع الاستيطاني على الأرض وأصبح التراجع عنه أكثر صعوبة.
السيطرة على الأرض: ما قبل الجرافات
لم تقف صلاحيات سموتريتش عند التخطيط والبناء؛ بل امتدت إلى ملفات الأراضي، بما في ذلك مسح الأراضي وتسجيلها وإعلانها أراضي دولة، وهي ملفات شديدة الأهمية في إعادة تشكيل السيطرة على مساحات واسعة من الضفة. وهنا يصبح الاستيطان عملية تبدأ قبل ظهور الجرافات؛ فالأرض التي يجري تسجيلها أو إعادة تصنيف وضعها القانوني، تمثل مراحل في صناعة واقع جديد على الأرض.
إدارة الاستيطان: جهاز مدني جديد
في عام 2024، اتسع التحول بنقل صلاحيات مدنية وقانونية إضافية من الإدارة العسكرية إلى موظفين مدنيين مرتبطين بالهيكل الذي يشرف عليه سموتريتش. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلن نقل وحدات الخدمات التابعة للإدارة المدنية من مقرها في بيت إيل إلى مبنى جديد في مجمع بنيامين شمال القدس، في خطوة تعزز طابعها المدني وتبعدها عن المنظومة العسكرية، حسب صحيفة يديعوت أحرونوت.
تسريع ماكينة الإنتاج: سباق مع الزمن
إن تأثير سموتريتش لا يُقاس فقط بعدد المستوطنات أو الوحدات السكنية، بل بالتغيير الذي أدخله على سرعة ماكينة الاستيطان نفسها، حسب توثيق منظمة ييش دين. فبدلاً من انتظار سنوات حتى تتراكم الموافقات، جرى تقليص مراحل إدارية، وتجميع صلاحيات، ونقل مسؤوليات إلى جهاز يخضع لنفوذ سياسي مباشر. وفي جوهر رؤيته، يمثل الزمن عاملاً حاسماً في الصراع؛ فكل توسع استيطاني يجعل إعادة رسم الخريطة أكثر صعوبة.
سجل التوسع الاستيطاني بالأرقام
حسب معطيات منظمات وهيئات توثيقية إسرائيلية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية نحو 780 ألف مستوطن، فيما وصل عدد المستوطنات والبؤر إلى نحو 592 موقعاً. وارتفع عدد البؤر الرعوية بنحو 40% منذ تشكيل الحكومة الحالية، وصُنّف أكثر من 25.9 ألف دونم كـأراضي دولة، وباتت المزارع الرعوية تسيطر فعلياً على أكثر من 1.1 مليون دونم. كما تقدمت مخططات لأكثر من 40 ألف وحدة استيطانية، وخصصت الحكومة نحو 847 مليون شيكل لدعم الاستيطان والبنية التحتية.
إعادة رسم الملكية: تسوية الأراضي
في عام 2026، انتقلت إسرائيل إلى بناء منظومة مؤسساتية ورقمية لإعادة تشغيل تسوية الأراضي في الضفة الغربية، بعد أكثر من خمسة عقود على تجميدها. وفي 15 فبراير/شباط الماضي، قررت الحكومة استئناف التسوية في المنطقة ج، بهدف تسجيل ما لا يقل عن 15% من الأراضي غير المسواة بحلول عام 2030، بميزانية بلغت 244.1 مليون شيكل. وتكمن الحساسية الأكبر في أن معظم أراضي المنطقة ج لم تدخل أصلاً في تسوية نهائية، ما قد يعني إدخال نحو 290 ألف دونم في عمليات التسوية حتى عام 2030.
لماذا الآن؟ مسار طويل من الإعداد
إعادة تشغيل التسوية لم تكن قراراً مفاجئاً، بل سبقتها عملية إعداد مؤسساتية بدأت منذ 2019، وصولاً إلى قرار الكابينت في مايو/أيار 2025، ثم الانتقال إلى مرحلة التنفيذ في فبراير/شباط 2026. وهنا يلتقي المسار مع تحولات سموتريتش في ملف الاستيطان؛ فبينما يسرّع التخطيط والبناء تغيير الواقع على الأرض، تعيد تسوية الأراضي تحديد ملكيتها وتسجيل الحقوق فيها، بما يحسم مستقبلاً من يملك الأرض وكيف تثبت حقوقه فيها.
أسئلة شائعة حول تسريع الاستيطان الإسرائيلي
ما هي خطة الحسم التي يتبناها سموتريتش؟
خطة الحسم هي استراتيجية بلورها سموتريتش عام 2017، تهدف إلى فرض وقائع ميدانية في الضفة الغربية تعرقل قيام دولة فلسطينية وتكرّس السيطرة الإسرائيلية على الأرض، عبر تسريع الاستيطان وتغيير الواقع الإداري والقانوني.
كيف أثر سموتريتش على إجراءات التخطيط والبناء في المستوطنات؟
منذ يونيو/حزيران 2023، حصل سموتريتش على دور مركزي في المصادقة على خطط البناء، مع تقليص الحاجة إلى موافقة وزير الدفاع، ما أدى إلى تقليص كبير في المسار البيروقراطي وتسريع تحويل المخططات إلى واقع على الأرض.
ما هي أهمية استئناف تسوية الأراضي في الضفة الغربية؟
استئناف تسوية الأراضي، الذي بدأ عام 2026، يهدف إلى تسجيل ما لا يقل عن 15% من الأراضي غير المسواة في المنطقة ج بحلول 2030، وهو ما قد يشمل نحو 290 ألف دونم، مما يعيد تنظيم ملكية الأرض ويحسم مستقبلها بشكل رسمي.