مأرب.. من مدينة صغيرة إلى مركز ثقل جديد في اليمن
في تحول لافت يعكس ديناميكيات الصراع اليمني، برزت مدينة مأرب خلال السنوات العشر الماضية كمركز سياسي وعسكري وسكاني واقتصادي جديد، بعد أن كانت مدينة صغيرة ذات ثقل محلي محدود. هذا التحول، الذي جاء نتيجة مباشرة للحرب وسيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، أعاد رسم الخريطة الديموغرافية والاقتصادية لليمن، وجعل من مأرب نقطة ارتكاز للشرعية ومقصداً لمئات الآلاف من النازحين ورؤوس الأموال.
كيف تحولت مأرب إلى مركز ثقل يمني؟
يربط الدكتور أحمد محمد حالة، رئيس الدائرة السياسية المركزية لحزب التجمع اليمني للإصلاح، هذا التحول بسقوط صنعاء في يد الحوثيين، وما أحدثه ذلك من فراغ سياسي ومؤسسي. ويقول حالة في تصريحات صحفية إن مأرب تحولت من محافظة مهمشة إلى نقطة ارتكاز للشرعية والجمهورية، مستفيدة من تماسك مجتمعها المحلي مع موجات النازحين، ومن امتلاكها قاعدة اقتصادية وأمنية وعسكرية.
ويضيف أن موقع مأرب الجغرافي، الذي يربط المحافظات الشمالية والوسطى والشرقية، إلى جانب احتضانها موارد النفط والغاز ومحطة الكهرباء الغازية، منحها أهمية اقتصادية وإستراتيجية، لكن العامل السياسي والعسكري كان الأكثر تأثيراً في صعودها. فصمود المحافظة في مواجهة الحوثيين جعلها قاعدة رئيسية للقوات الحكومية، ومركزاً للقرار السياسي والعسكري المناهض للجماعة، فضلاً عن تحولها إلى ملاذ آمن لمئات الآلاف من النازحين.
قصة نجاح إنسانية وسط الحرب
يجسد إبراهيم مارش، الذي نزح من صعدة قبل نحو عشر سنوات، جانباً من قصة مأرب. فبعد رحلة نزوح طويلة عبر صنعاء وتعز، وجد مارش في مأرب مجتمعاً احتضنه وفتح له فرصة جديدة للعيش والعمل. واليوم، يعمل مارش مديراً لتحرير الأخبار في قناة سبأ الحكومية التي تبث من مأرب، ويصف ما شهدته المدينة بأنه معجزة مدهشة، مشيراً إلى أن الاستقرار الأمني والتكافل الاجتماعي والفرص الاقتصادية أسهمت في جذب النازحين إليها.
ويقول مارش إن مأرب لم تعد مجرد وجهة للنازحين، بل أصبحت محطة لزيارات البعثات الدبلوماسية ومسؤولي الأمم المتحدة والصحفيين، وهو ما يعكس تحولها إلى مركز ثقل سياسي وإنساني يتجاوز حدود المحافظة. ويشير إلى أن تدفق السكان ورؤوس الأموال أدى إلى ظهور عشرات الآلاف من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لكنه يتحفظ على اعتبار مأرب مركزاً اقتصادياً مكتمل الأركان.
تحول ديموغرافي وعمراني غير مسبوق
يعد التحول السكاني والعمراني أكثر مظاهر صعود مأرب وضوحاً، حيث تستضيف المدينة أكثر من 2.2 مليون نازح، بينهم أكثر من 558 ألفاً داخل مخيمات وتجمعات للنزوح، بينما يعيش أكثر من 1.6 مليون نازح في الأحياء والمناطق الواقعة ضمن المجتمع المضيف، وفق بيانات رسمية.
ويرى الأكاديمي اليمني الدكتور علي سيف الرمال، نائب رئيس جامعة إقليم سبأ الحكومية في مأرب، أن موجات النزوح أحدثت تحولاً ديموغرافياً جذرياً، نقل مأرب من مجتمع محلي متجانس نسبياً إلى بيئة حضرية متنوعة تختلط فيها مناطق اليمن المختلفة، بما أوجد هوية مدنية جديدة تجمع بين الطابع القبلي التقليدي وحيوية مجتمع النزوح.
أما الإعلامي والناشط الحقوقي محمد عبدربه الغليسي، الذي عايش مأرب قبل الحرب وبعدها، فيقدّر أن سكان المدينة كانوا في حدود 50 ألفاً قبل الحرب، بينما أصبحت اليوم تضم أكثر من مليوني نسمة، وفق تقديرات رسمية. ويقول الغليسي إن أكثر ما تغير في مأرب هو الازدحام السكاني والعمراني، مضيفاً أن المدينة التي عرفها قبل الحرب لم تعد هي نفسها اليوم.
من مأوى إلى مركز وطني للتعليم والاقتصاد
لم يتوقف التحول عند السكان، إذ انتقلت إلى مأرب وظائف ومؤسسات وأموال كانت ترتبط تاريخياً بصنعاء. ويشير الدكتور أحمد حالة إلى تمركز قيادات عسكرية ومؤسسات ومنظمات محلية ودولية ووسائل إعلام فيها، وتحولها إلى مركز تجاري ومالي استقبل رؤوس أموال ومؤسسات تجارية غادرت مناطق سيطرة الحوثيين.
أما الدكتور علي سيف الرمال، فيرى أن انتقال الثقل امتد إلى قطاع التعليم أيضاً، مستشهداً بجامعة إقليم سبأ الحكومية التي تضم نحو 19 ألف طالب وطالبة من جميع المحافظات اليمنية، بما فيها سقطرى والمهرة وصعدة. وتجسد الجامعة تحول مأرب من مجرد ملاذ للسكان ورأس المال إلى مركز وطني للتعليم والمعرفة.
تحديات النمو السريع
لكن صعود مأرب فرض عليها في الوقت نفسه تحديات قد تفوق قدرة بنيتها التحتية. ويشير الغليسي إلى الازدحام في مؤسسات الدولة والمحاكم والشرطة والأحوال المدنية والجوازات، فضلاً عن غياب مشروع متكامل للصرف الصحي. في حين يقر محمد حالة بوجود فجوة بين سرعة النمو والإمكانات المتاحة، مشيراً إلى تحديات المياه والصرف الصحي، والتوسع العمراني غير المنظم، والضغط على شبكة الكهرباء، واتساع مخيمات النازحين والعشوائيات، والحاجة إلى مستشفيات ومدارس إضافية.
تحول يصعب التراجع عنه
ورغم هذه الاختلالات، يرى المتحدثون أن مأرب تجاوزت إلى حد كبير كونها ملاذاً مؤقتاً فرضته الحرب. ويقول الرمال إن الاستثمارات في العقار والزراعة والخدمات والتعليم أسست لتحول اقتصادي يمكن أن يستمر بعد انتهاء الحرب، بينما يرى حالة أن التحولات السكانية والاقتصادية والسياسية أصبحت واقعاً هيكلياً ومؤسسياً. أما مارش فيرى أن مأرب أصبحت مركز ثقل وطنياً، وأن مكاسبها السكانية والاقتصادية والسياسية لن تتلاشى بسهولة.
وبذلك، لم تعد مأرب مجرد مدينة صمدت في وجه الحرب؛ بل أصبحت، بفعل الحرب نفسها، أحد أبرز مراكز الثقل الجديدة في اليمن، وهو ما يحمل دلالات مهمة لمستقبل البلاد، ويستحق متابعة دقيقة من المراقبين والمهتمين بالشأن اليمني.
أسئلة شائعة حول تحول مأرب
لماذا أصبحت مأرب مركزاً للشرعية اليمنية؟
أصبحت مأرب مركزاً للشرعية اليمنية بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، حيث استفادت من تماسك مجتمعها المحلي، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، ومواردها من النفط والغاز، وصمودها في مواجهة الحوثيين، مما جعلها قاعدة رئيسية للقوات الحكومية ومركزاً للقرار السياسي والعسكري.
كم عدد النازحين في مأرب؟
تستضيف مدينة مأرب أكثر من 2.2 مليون نازح، بينهم أكثر من 558 ألفاً داخل مخيمات وتجمعات للنزوح، بينما يعيش أكثر من 1.6 مليون نازح في الأحياء والمناطق الواقعة ضمن المجتمع المضيف، وفق بيانات رسمية.
ما أبرز التحديات التي تواجه مأرب؟
تواجه مأرب تحديات كبيرة تشمل الازدحام في مؤسسات الدولة، وغياب مشروع متكامل للصرف الصحي، وتحديات المياه، والتوسع العمراني غير المنظم، والضغط على شبكة الكهرباء، والحاجة إلى مستشفيات ومدارس إضافية.