منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، انقطع الطريق الرئيسي بين مدينة تعز والعاصمة المؤقتة عدن، بعد سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على مدينة التربة، ليجد نحو 600 ألف شخص أنفسهم أمام خطر مباشر يتمثل في نفاد الغذاء والدواء والوقود، في واحدة من أشد أزمات المدينة اليمنية المحاصرة منذ سنوات.
فبحسب تقرير للجزيرة نت نشر في 18 أكتوبر/تشرين الأول، تكدست عشرات الشاحنات المحملة بالغذاء والغاز والمشتقات النفطية في منطقة طور الباحة بمحافظة لحج جنوبي اليمن، فيما توقفت حركة نقل الركاب بين المدينتين بالكامل تقريبا. ولم يعد أهالي تعز يسألون عن ساعات الرحلة، بل عن إمكانية الوصول أصلا.
لماذا انقطع شريان تعز الحيوي؟
كان الطريق الممتد عبر الضباب ونجد قسيم والبيرين والتربة ثم هيجة العبد وطور الباحة وصولا إلى لحج وعدن هو المنفذ الرئيسي لتزويد تعز بالغذاء والدواء والوقود طوال سنوات الحصار. ومع سيطرة الحوثيين على التربة مطلع الشهر الجاري، تحول هذا الشريان إلى خط نار.
ويقول مدير عام هيئة النقل البري في تعز عبد الله المصنف للجزيرة نت إن مقطورات محملة بالغاز والمواد الغذائية والمساعدات الإنسانية عالقة منذ عشرة أيام في طور الباحة دون أن تتمكن من الوصول إلى المدينة. ويوضح أن الطريق القادم من عدن ومينائها كان المنفذ الرئيسي، وأن إغلاقه حرم المدينة من أي بديل آمن ومنتظم.
ويضيف المصنف أن الحوثيين يمنعون مرور ناقلات الوقود والغاز، مشيرا إلى انتشار القناصة وتعرض سائقين لإطلاق نار، بينهم سائقو مقطورات تنقل المياه من منطقة الضباب إلى تعز، أصيب بعضهم ولحقت بهم أضرار مادية.
خريطة سيطرة تقطع أوصال الطرق
يوضح الكاتب والناشط السياسي موسى المقطري، وهو أحد سكان التربة، أن الحوثيين يسيطرون على كامل الطريق الممتد من التربة إلى البيرين داخل محافظة تعز ويتحكمون بحركة المرور فيه. أما طريق هيجة العبد فأصبح مقسما بين مناطق سيطرة الطرفين، فيما يسيطر الحوثيون على طريق كربة عند رأس الصحى.
ويعني هذا التوزيع أن اجتياز جزء من الطريق لا يضمن إكمال الرحلة، ما دامت أجزاء أخرى مغلقة أو معرضة للقنص. ويقول المقطري إن وجود طرق على الخريطة لا يعني إمكان استخدامها بأمان، فالشاحنات تحتاج طريقا مفتوحا من بدايته حتى نهايته.
كما تعطل الطريق الغربي عبر المخا والكدحة والبيرين مع اتساع المواجهات في سبتمبر/أيلول الماضي، وأغلق مطلع أكتوبر المنفذ الشرقي نحو الحوبان الذي أعيد فتحه في يونيو/حزيران 2024. وفي الثاني من أكتوبر حذرت القوات الحكومية المدنيين من استخدام 19 طريقا ومحورا في تعز ومحيطها بسبب مخاطر العمليات العسكرية.
مسافرون عالقون وخسائر إنسانية
تتعدد صور المعاناة الإنسانية لهذا الانقطاع. فبحسب المصنف، غادر نحو 4352 شخصا تعز إلى السعودية لأداء العمرة خلال أغسطس/آب الماضي، وحال إغلاق الطرق دون عودتهم إلى المدينة، فيما توقف عمل شركات النقل الدولي من تعز بالكامل.
ويقول رضوان النجاشي، وهو سائق حافلة أجرة كان يعمل على خط عدن تعز، إن حركة نقل الركاب توقفت وتكدست عشرات سيارات الأجرة في طور الباحة وعلى الطرق المغلقة، مضيفا أنه اضطر للعمل على خط عدن وطور الباحة والمقاطرة بعدما أصبح السفر إلى تعز شديد الخطورة.
مخزون يكفي 19 يوما فقط
تصل تداعيات الانقطاع إلى قلب المدينة. فوفقا لورقة إحاطة أصدرها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي في 12 أكتوبر، كان مخزون القمح والدقيق البالغ نحو 20 ألف طن يغطي قرابة 19 يوما من الاستهلاك المقدر للمديريات الخاضعة للحكومة في المحافظة. كما انقطعت إمدادات شهرية تبلغ 65 ألف لتر من الديزل عن مؤسسة المياه، بما يعادل 72 بالمئة من احتياجاتها التشغيلية.
وحذر برنامج الأغذية العالمي في 14 أكتوبر من اقتراب نفاد مخزون دقيق القمح، مؤكدا تعذر الوصول بالمساعدات إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون عليها، بينهم أكثر من 200 ألف من النساء والأطفال.
ويقول مدير عام مكتب الصناعة والتجارة بمحافظة تعز عبد الرحمن القليعة للجزيرة نت إن المخزون الغذائي والدوائي يكاد ينفد، وإن منع دخول المشتقات النفطية أدى إلى تعطل خدمات المرافق الصحية وضخ المياه وشلل حركة المواصلات، داعيا الحكومة والمجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لفتح طرق الإمداد.
مرضى الغسيل الكلوي في وجه الخطر
تحذر منظمة الصحة العالمية من أن مخزون الوقود لدى 12 مستشفى في تعز لا يكفي سوى نحو أربعة أيام، وسط نقص الأكسجين والأدوية وتعثر وصول الإمدادات. وتشكل هذه الأرقام تهديدا مباشرا لمرضى الغسيل الكلوي وغيرهم ممن لا تحتمل حالاتهم التأخير.
ويشير المصنف إلى أن السلطة المحلية، ممثلة بمحافظ تعز نبيل شمسان، طالبت مجلس الأمن والمنظمات الدولية بالتدخل لرفع الحصار عن المدينة. وسبق لتحقيقات صحافية غربية أن كشفت حجم الدعم الإيراني المتواصل للحوثيين، بما يعيد طرح السؤال عن المسؤولية الإقليمية عن استمرار معاناة المدنيين اليمنيين، وهو ما أوردته
