واشنطن بين حرب إيران وتراجع آسيا: اختبار المصداقية الأمريكية
في وقت تستنزف فيه الحرب على إيران القدرات العسكرية الأمريكية، وتعيد واشنطن نشر حاملة طائرات من المحيط الهادي إلى الشرق الأوسط، يختار الرئيس دونالد ترمب في اللحظة نفسها تقليص المناورات مع كوريا الجنوبية وفتح الباب أمام لقاء جديد مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. هذه التحركات المتزامنة تثير تساؤلات جدية حول تماسك السياسة الخارجية الأمريكية في آسيا، وتبعث برسائل متناقضة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء.
ما الذي دفع واشنطن إلى تقليص المناورات مع كوريا الجنوبية؟
أعلن الرئيس ترمب عبر منصته الخاصة “تروث سوشيال”، الأحد، أمره وزير الدفاع بيت هيغسيث بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية بشكل كبير، متذرعاً بعلاقته الجيدة مع الزعيم الكوري الشمالي. وجاء هذا القرار بالتزامن مع سحب حاملة الطائرات “يو إس إس جورج واشنطن” من غرب المحيط الهادي وإرسالها إلى الشرق الأوسط لدعم الحملة العسكرية ضد إيران.
وترى صحيفة واشنطن بوست، في افتتاحية تحليلية، أن هذين التطورين معاً يكشفان مخاطر السياسة الخارجية “المتذبذبة” للرئيس الأمريكي. وتشير الصحيفة إلى أن ترمب أوحى بأن تقليص المناورات جاء عقاباً لسول على عدم انضمامها إلى الحرب ضد إيران، وهو ما يجعل الالتزامات الدفاعية الأمريكية تجاه الحلفاء تبدو “أقل رسوخاً” في نظر الحلفاء والخصوم.
هل تستنزف الحرب على إيران القدرات الأمريكية؟
تكشف تقديرات نشرتها واشنطن بوست أن الحملة العسكرية على إيران، التي وصفها ترمب سابقاً بأنها “نزهة صغيرة”، استنزفت مخزونات الأسلحة عالية التقنية إلى مستويات مقلقة. وربما استُهلك نحو 80% من الصواريخ الاعتراضية لمنظومة “ثاد”، ونحو نصف صواريخ باتريوت، وما يقارب نصف صواريخ توماهوك.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ضوء التحذير الوارد في إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية من أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لخوض حربين كبيرتين في وقت واحد، خصوصاً إذا كانت إحداهما ضد قوة منافسة بمستوى الصين. ويرى المحللون أن الاختبار الذي حذرت منه الاستراتيجيات السابقة قد وصل بالفعل، وأن السؤال لم يعد نظرياً حول قدرة واشنطن على خوض حرب متعددة الجبهات، بل يتعلق بجاهزية القوات الأمريكية الآن.
ما حقيقة جاهزية الأسطول الأمريكي؟
ورغم امتلاك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات عملاقة، تشير الافتتاحية إلى أن صيانة السفن وبرامج التدريب وضغط أحواض بناء السفن تجعل ثلاثاً أو أربعاً فقط قادرة على الإبحار في أي وقت خلال فترات السلم. وتؤكد الصحيفة أن وتيرة الحرب تختلف عن وتيرة السلم، “لكن البنتاغون لا يتصرف على هذا الأساس”.
وتدعو الصحيفة إدارة ترمب إلى تسريع شراء الصواريخ وتطوير بدائل منخفضة الكلفة لإعادة بناء المخزونات، مع تقليص التضخم البيروقراطي داخل وزارة الدفاع. كما تطرح سؤالاً حول ما إذا كانت الموازنة الدفاعية البالغة 1.5 تريليون دولار ستُنفق “بحكمة” لإعادة بناء قاعدة القوة الأمريكية.
كيف تتعامل واشنطن مع كوريا الشمالية؟
في هذا السياق تحديداً، تأتي خطوة ترمب تجاه كوريا الشمالية التي تبدو في ظاهرها دبلوماسية، لكنها تحمل تداعيات إستراتيجية أوسع. فوفق صحيفة وول ستريت جورنال، ضغط ترمب على مستشاريه لترتيب لقاء مع كيم جونغ أون بحلول الخريف المقبل، ربما على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي في شنتشن الصينية نوفمبر المقبل.
ويقول بروس كلينغنر، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، إن هذا التوجه “يرضي مستبداً آخر بناءً على تصور خاطئ بأن العلاقة الشخصية تحقق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية”. ويرى الخبير فيكتور تشا من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن بيونغ يانغ كانت دائماً تريد أن “تتخلى الولايات المتحدة عن نزع السلاح النووي وتتقبلها كدولة تمتلك أسلحة نووية”.
هل أصبح كيم أقوى من ذي قبل؟
يدخل كيم أي مفاوضات جديدة وهو أقوى مما كان عليه قبل ثماني سنوات. فوفق الخبير جيفري لويس من معهد ستانفورد، باتت ترسانة كوريا الشمالية تضم “مئات الصواريخ ومقادير متزايدة من البلوتونيوم واليورانيوم عالي التخصيب”. كما عزز كيم علاقاته مع بكين وعمّق التعاون الصاروخي مع طهران وأرسل آلاف الجنود لدعم الغزو الروسي لأوكرانيا.
وحذر مسؤول كبير في البنتاغون من أن القوات النووية الكورية الشمالية باتت أكثر قدرة على استهداف الأراضي الأمريكية، وأن صواريخها تستطيع ضرب كوريا الجنوبية واليابان برؤوس نووية أو تقليدية.
هل ثمة جانب إيجابي في الموقف الأمريكي؟
تلتقط مجلة نيوزويك هذه التناقضات والتقلبات في مواقف الإدارة الأمريكية التي تحدث ارتباكاً حاداً لدى حلفائها. وتتجسد هذه التناقضات في تصريحات مسؤول السياسات بالبنتاغون إلبريدج كولبي، الذي وصف كوريا الجنوبية وبولندا والفلبين بـ”الحلفاء النموذجيين”، ليتبع ذلك تراجع أمريكي عن نشر قوات أو تقليص للالتزامات الأمنية.
ويرى بعض المحللين جانباً إيجابياً في الموقف، إذ تشير المحللة العسكرية جينيفر كافانا إلى أن المناورات لم تحقق أهدافها، وأن “على واشنطن تسليم مسؤولية أمن كوريا الجنوبية إلى سول بالكامل”. كما يرى إيفان سانكي من معهد كاتو أن المحادثات قد تؤدي إلى “فرض حد أقصى لترسانة الصواريخ والمواد الانشطارية”.
لكن المخاوف تظل قائمة من أن تؤدي هذه التنازلات، بما فيها إعادة النظر في صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار تجنباً لإثارة حفيظة الصين، إلى التقليل من هيبة الولايات المتحدة وتشجيع خصومها.
ما هي انعكاسات ذلك على المنطقة؟
من منظور إقليمي، تبعث هذه التطورات برسائل متعددة إلى دول المنطقة. فبينما تتجه واشنطن إلى إعادة تموضع قواتها، يبرز دور قطر كوسيط دولي موثوق قادر على احتواء الأزمات وتقريب وجهات النظر. وتؤكد الدوحة، من خلال سياستها الخارجية المتوازنة، أهمية الحوار والدبلوماسية في حل النزاعات، وهو نهج يكتسب أهمية متزايدة في ظل حالة عدم اليقين التي تشهدها السياسة الأمريكية.
وما يمكن استخلاصه من تقارير الصحف الثلاث هو أن واشنطن تجد نفسها أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، اختبار يتطلب الموازنة بين طموحات القيادة وواقع القدرات الميدانية قبل أن يفقد الحلفاء ثقتهم فيها بالكامل.