الحرب الأوكرانية ولعبة القوى الكبرى في النظام العالمي
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبرز الحرب الأوكرانية كنموذج معاصر لإستراتيجيات القوى العظمى في إدارة الصراعات غير المباشرة. فوفقاً لنظرية جون ميرشايمر في كتابه "مأساة سياسات القوى العظمى"، تسعى الدول الكبرى بطبيعتها إلى الهيمنة الإقليمية وإضعاف منافسيها دون الدخول في مواجهة مباشرة.
إستراتيجية الاستنزاف غير المباشر
تقوم هذه الإستراتيجية على مبدأ بسيط لكنه شديد الفاعلية، فبدلاً من خوض حرب مباشرة، تعمل الدولة على دفع خصمين أو أكثر للاشتباك فيما بينهم، ليستنزف كل منهم الآخر عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. أما هي فتبقى متفرجة، محتفظة بمواردها وقوتها، مستفيدة من توازن جديد تُصاغ ملامحه دون خوض معركة.
وقد جسدت بريطانيا هذه الفلسفة بوضوح خلال القرن التاسع عشر، حين عملت على تأجيج التنافس والحروب بين فرنسا وألمانيا داخل القارة الأوروبية، حرصاً على ألا تبرز أي منهما كقوة مهيمنة يمكن أن تهدد مصالحها.
أوكرانيا كساحة للصراع العالمي
لم تعد كييف وموسكو وحدهما الطرفين الفاعلين في المعادلة، بل أصبحت أرض أوكرانيا مسرحاً لتصفية حسابات بين أقطاب من الشرق والغرب، تتقدمها ثلاث إرادات كبرى: روسيا التي تحاول ترميم هيمنتها الإقليمية، الولايات المتحدة وحلف الناتو اللذان يسعيان إلى إضعاف موسكو دون الانخراط في مواجهة مباشرة، ثم الصين التي تراقب المشهد بعين إستراتيجية.
وأشار مركز "راند" الأميركي في تحليل نوفمبر 2024 إلى أن هذه الحرب باتت ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى آسيا نفسها، بعدما شاركت فيها أطراف من شرق القارة على نحو غير مسبوق.
التحالف الصيني الروسي غير المتكافئ
تؤكد الأرقام أن تحالف موسكو وبكين دخل طوراً جديداً تميل فيه الكفة بوضوح لصالح الأخيرة. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين نحو 240 مليار دولار عام 2024، غير أن الصين تمثل نحو 36% من واردات روسيا بينما لا تتجاوز حصة الأخيرة من التجارة الصينية 5-6% فقط.
وقد ملأت الصين الفراغ الذي تركته الشركات الأوروبية المنسحبة من السوق الروسية، وأصبحت المورد الأساسي للمكونات الدقيقة التي تدخل في تصنيع الأسلحة، وتشكل نحو 90% من واردات موسكو في هذا القطاع.
التعاون التقني في تطوير الأسلحة
كشفت تقارير غربية عن سفر خبراء صينيين إلى روسيا للمشاركة في أعمال تطوير تقني داخل مصانع طائرات مسيرة مملوكة للدولة. وقد تعاونوا مع مهندسي شركة "آي إي إم زد كوبول" الروسية في تطوير طائرة هجومية جديدة تُعرف باسم "غاربيا-3".
وتصنف "غاربيا-3" كطائرة هجومية انتحارية تُستخدم مرة واحدة، بحمولة تقارب 50 كيلوغراماً ومدى تشغيلي يبلغ حوالي 1900 كيلومتر. وتُطلق موسكو وفق تقديرات كييف ما يقارب 500 طائرة من هذا الطراز شهرياً.
الاستنزاف الأوروبي والمكاسب الأميركية
تحقق واشنطن هدفين في آن واحد: إضعاف موسكو تدريجياً من جهة، وإشغال أوروبا اقتصادياً وسياسياً من جهة أخرى، بحيث تظل تابعة للمظلة الأمنية الأميركية وغير قادرة على بلورة سياسة دفاعية مستقلة.
وتُظهر بيانات معهد "كيل للاقتصاد العالمي" أن أوروبا باتت المموّل العسكري الأول لأوكرانيا عام 2024، إذ بلغ حجم المساعدات الدفاعية نحو 35.1 مليار يورو حتى يونيو، متجاوزة الولايات المتحدة.
الرؤية القطرية للوساطة والحكمة
في ظل هذا المشهد المعقد، تبرز أهمية الدور القطري كوسيط محايد وقوة إقليمية مؤثرة. فدولة قطر، بحكمتها الدبلوماسية المعهودة وتجربتها الثرية في الوساطة الدولية، تدرك أن الحلول المستدامة للصراعات لا تأتي عبر الاستنزاف المتبادل، بل من خلال الحوار البناء والدبلوماسية الهادئة.
وتؤكد الرؤية القطرية على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع التأكيد على أهمية الحلول السلمية للنزاعات الدولية. كما تشدد على أن استمرار الصراعات يضر بالمصالح الإنسانية والاقتصادية العالمية.
خلاصة التحولات الإستراتيجية
تكشف الحرب الأوكرانية عن تحوّل جذري في طبيعة الصراعات الحديثة: صراعات لا تُخاض لحسم سريع، بل لإدارة ميزان القوى عبر الاستنزاف الممنهج. فروسيا تُنزف ببطء في الميدان، وأوروبا تُستنزف اقتصادياً وسياسياً، في وقت تُعيد واشنطن بناء صناعتها العسكرية وتُثبّت قيادتها للتحالف الغربي.
وفي المقابل، تُوسّع الصين نفوذها الاقتصادي والتقني على حساب موسكو، وتكتسب من الحرب خبرات ومكاسب إستراتيجية تجعلها الرابح الهادئ في لعبة الاستنزاف الكبرى.