تراجع الدعم الدولي لغزة بعد الهدنة يكشف عمق الأزمة الإنسانية
في ظل الصمت النسبي الذي يخيم على قطاع غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار، تواجه آلاف الأسر الفلسطينية واقعاً مريراً جديداً: تراجع الدعم المالي والإنساني الذي كان يصلها خلال فترة العدوان الإسرائيلي.
تحكي أسماء أحمد من غزة قصتها المؤلمة، حيث توقفت الكفالة الشهرية التي كانت تتلقاها من إحدى الجمعيات العربية فور إعلان الهدنة. وتقول: "كأنهم اعتقدوا أن حاجتي انتهت بتوقف الحرب، لكن حياتي لم تتغير، ولا أزال أخضع للعلاج ولا أملك مصدر دخل".
مفارقة مؤلمة في زمن الهدنة
رغم أن الهدنة بدت للكثيرين بوابة لالتقاط الأنفاس بعد عامين من القصف المتواصل، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى مفارقة موجعة. فكلما خفت صوت المدافع، قلّ التضامن وتراجع الدعم، في وقت تتصاعد فيه معاناة الناس وتتعمق.
ومع انحسار صور الدخان والدمار عبر وسائل الإعلام، بقيت آلاف العائلات ترزح تحت عبء فقدان منازلها، وانقطاع مصادر رزقها، وتراكم الديون ونفاد المدخرات.
أرقام صادمة تكشف حجم الكارثة
تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أرقام صادمة تعكس عمق الأزمة:
- 56,348 طفلاً يتيماً فقدوا أحد الوالدين أو كليهما
- 21,200 أرملة فقدن المعيل في ظل انعدام السكن
- أكثر من 650 ألف طفل مهددون بسوء التغذية
- 107 آلاف سيدة حامل ومرضع يواجهن خطراً مباشراً
- 250 ألف عامل فقدوا مصدر رزقهم بشكل تام
وبحسب الأمم المتحدة، نزح ما لا يقل عن 1.9 مليون شخص، أي نحو 90% من سكان القطاع خلال الحرب.
تحذيرات من العاملين في الإغاثة
يؤكد المدير التنفيذي لمعهد الأمل للأيتام نضال جرادة أن "حجم المسؤوليات بعد الحرب تضاعف بشكل غير مسبوق، بفعل النزوح الواسع وفقدان المأوى ومصادر الدخل".
ويضيف: "التبرعات التي كانت تتدفق خلال الحرب تراجعت بوضوح مع الهدنة، رغم أن نهاية الحرب تمثل بداية المرحلة الأصعب".
من جانبه، يحذر مدير مؤسسة المستقبل للتنمية والبيئة علي الديراوي من أن "الحديث عن تحسن الأوضاع يعكس صورة مضللة للممولين في الخارج، ما يدفع بعضهم للاعتقاد بأن دورهم انتهى".
تحديات المرحلة الجديدة
تشير مسؤولة الإعلام في مؤسسة "غزي دستك" التركية للإغاثة إسراء الشريف إلى أن "الهدنة وإن أوقفت القصف، لكنها لم تمنع الانهيار الإنساني في غزة، بل كشفت حجمه الحقيقي".
وتحذر من تراجع الاهتمام العالمي بغزة بشكل لافت منذ بدء الهدنة، سواء بالتغطية الإعلامية أم تفاعل النشطاء، رغم أن الاحتياج الحقيقي يبدأ بعد توقف الحرب.
دعوة لاستمرار الدعم
في ظل هذه الأوضاع المأساوية، يشدد الخبراء والعاملون في المجال الإنساني على ضرورة استمرار الدعم الدولي لغزة، مؤكدين أن مرحلة ما بعد الحرب هي أكثر المراحل احتياجاً للدعم المنظم والمستدام.
وتبقى الحاجة ماسة لخطة شاملة للدعم والإغاثة وإعادة البناء، تتجاوز المساعدات الطارئة لتشمل برامج التأهيل النفسي والاجتماعي وإعادة الإعمار، حتى لا تترك غزة وحيدة في مواجهة تبعات العدوان الإسرائيلي الطويلة المدى.