أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اعتزامها مغادرة منصبها في 7 فبراير/شباط 2027، قبل نحو تسعة أشهر من انتهاء ولايتها المقررة في أكتوبر/تشرين الأول من العام المقبل، في خطوة تفتح مبكراً سباقاً بين العواصم الأوروبية لاختيار خليفة لأهم مؤسسة نقدية في منطقة اليورو.
وقال البنك المركزي الأوروبي إن لاغارد أبلغت مجلس محافظيه ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بقرارها، فيما أعلن كوستا بدء إجراءات اختيار خليفتها فوراً، وفقاً لما نقلته الجزيرة. ويتجاوز التطور مسألة تغيير القيادة إلى توقيته السياسي الحساس، قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أبريل/نيسان 2027.
لماذا قررت لاغارد الرحيل مبكراً؟
لم يوضح البنك في بيانه الرسمي الأسباب المباشرة للقرار، لكن وكالة رويترز نقلت عن لاغارد خلال مؤتمر صحفي رغبتها في الانخراط بقضايا تتجاوز نطاق اختصاص البنك، مشيرة إلى أن انتقال المسؤولين من مناصبهم جزء من نظام حوكمة يحدد ولاية غير قابلة للتجديد. ونقلت الوكالة عن مصدر مطلع رغبتها في استعادة حرية التعليق على القضايا السياسية في فرنسا وخارجها، فيما يُنظر إلى المنتدى الاقتصادي العالمي بوصفه وجهة محتملة لها.
غير أن التوقيت يثير تساؤلات تتجاوز التفسيرات الشخصية. فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز في فبراير/شباط الماضي اعتزام لاغارد مغادرة منصبها مبكراً لإتاحة الفرصة أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمشاركة في اختيار خليفتها قبل انتهاء ولايته، إذ لا يستطيع ماكرون الترشح لولاية ثالثة متتالية. وفي هذا السياق، أشارت تغطية فرانس 24 إلى أن العواصم الرئيسية في منطقة اليورو بدأت تستعد فعلياً لمعركة الخلافة منذ الإعلان.
ولم تؤكد لاغارد أن الاعتبارات الانتخابية كانت وراء قرارها، كما لم تظهر تقارير موثوقة تربط رحيلها بخلاف حول السياسة النقدية داخل البنك. وفي قراءة تحليلية، فإن هذا التنحي لا يمثل مجرد مغادرة مبكرة لمسؤولة أوروبية بارزة، بل بداية معركة على قيادة المؤسسة النقدية تتداخل فيها حسابات الانتخابات الفرنسية مع توازنات القوى داخل الاتحاد الأوروبي، كما رصدت صحيفة الأحبار.
ما صلاحيات رئيس المركزي الأوروبي؟
على خلاف التصور الشائع، لا يملك الرئيس سلطة منفردة في تحديد أسعار الفائدة، إذ يتخذ مجلس المحافظين القرارات بصورة جماعية بمشاركة أعضاء المجلس التنفيذي ومحافظي البنوك المركزية الوطنية. ويتمتع الرئيس بصوت واحد ضمن آلية التصويت، لكن تأثيره الفعلي يتجاوز الوزن العددي لهذا الصوت عبر إدارة الاجتماعات وصياغة التوافق وتوجيه رسائل السياسة النقدية إلى المستثمرين.
ويرى الخبير الاقتصادي مارشيل ألكساندروفيتش، من مؤسسة سالتمارش إيكونوميكس، في حديث لرويترز، أن تغيير القيادة لا يرجح أن يؤدي إلى تحول جذري في توجهات البنك نظراً إلى الطبيعة الجماعية لصنع القرار، لكنه شدد على أهمية أسلوب الرئيس الجديد في التواصل مع الأسواق.
كيف استقبلت الأسواق الإعلان؟
جاء الإعلان بالتزامن مع قرار البنك تثبيت سعر الفائدة على الودائع عند 2.5%، في وقت تواجه فيه منطقة اليورو ارتفاعاً في التضخم وتباطؤاً محتملاً للنمو. وأظهرت بيانات نقلتها رويترز تراجع اليورو بنسبة 0.3% إلى نحو 1.11 دولار، وانخفاض عوائد السندات الحكومية لأجل عامين، في حين ارتفع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 0.95%.
لكن من الصعب نسبة هذه التحركات إلى إعلان الرحيل وحده، إذ تزامنت مع بيان نقدي أشار إلى تشديد شروط التمويل واحتمال تأثيرها سلباً في النمو والتضخم. ونقلت رويترز عن بيوتر ماتيس، من مؤسسة إنتاتش كابيتال ماركتس، أن هذه الإشارة قد تُفسر على أنها تقلل احتمالات مواصلة رفع الفائدة، وهو تفسير يفسر تراجع اليورو وعوائد السندات قصيرة الأجل.
وتبرز فرنسا بوصفها مصدر القلق الأهم في أسواق الدين الأوروبية، إذ أفادت يورونيوز بأن عائد سنداتها الحكومية لأجل 10 سنوات اقترب من 5% الخميس، بفارق نحو 155 نقطة أساس عن السندات الألمانية، بعدما تجاوز مستوى 5% خلال الأسبوع السابق للمرة الأولى منذ عام 2002.
كيف يُختار الرئيس الجديد؟
تحدد المادة 283 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي إجراءات التعيين، إذ يتولى المجلس الأوروبي اتخاذ القرار بأغلبية مؤهلة بناء على توصية من مجلس الاتحاد الأوروبي وبعد التشاور مع البرلمان الأوروبي ومجلس محافظي البنك. ويُشترط أن يتمتع المرشح بمكانة مهنية معترف بها وخبرة في الشؤون النقدية أو المصرفية، وتبلغ مدة الولاية ثماني سنوات غير قابلة للتجديد.
وبحسب تقارير صحفية، تسعى القيادات الأوروبية إلى حسم الاختيار خلال قمتي نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول المقبلين. وتشير التجارب السابقة إلى أهمية التوافق بين فرنسا وألمانيا في اختيار رئيس المؤسسة النقدية، لكن المفاوضات قد تتجاوز هذا المنصب إلى إعادة توزيع مواقع قيادية أخرى، مع تزامن العملية مع ترتيبات خلافة عضو المجلس التنفيذي إيزابيل شنابل وكبير الاقتصاديين فيليب لين، ما يفتح المجال أمام تفاهم سياسي أوسع بشأن ثلاثة مناصب رئيسية.
من أبرز المرشحين لخلافة لاغارد؟
يتصدر اسمان النقاشات الأوروبية وفق رويترز وشبكة سي إن بي سي، من دون إعلان ترشيحات رسمية حتى الآن. الأول هو كلاس نوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي بين عامي 2011 و2025، والذي ارتبط اسمه تاريخياً بالمواقف المتشددة تجاه التضخم قبل أن يتجه إلى نهج أكثر اعتدالاً. والثاني هو بابلو هيرنانديز دي كوس، محافظ بنك إسبانيا السابق بين عامي 2018 و2024، الذي يتولى حالياً رئاسة بنك التسويات الدولية.
وتشمل الأسماء المطروحة أيضاً رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل وإيزابيل شنابل. ونقلت يورونيوز عن كارستن برزيسكي، من بنك آي إن جي، أن تقديم موعد الاختيار قد يصب في مصلحة نوت نظراً إلى أن دي كوس تولى منصبه الحالي في بنك التسويات الدولية قبل أقل من عامين.
تحديات اقتصادية تنتظر الرئيس المقبل
سيتولى الرئيس الجديد القيادة في مرحلة تتسم بتعارض الضغوط الاقتصادية، إذ ارتفع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8% خلال سبتمبر/أيلول مقابل 3.2% في أغسطس/آب، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب مع إيران. ورفع البنك أسعار الفائدة مرتين خلال العام الجاري، بينما تشير تقديرات نقلتها رويترز إلى أن الأسواق تسعّر احتمال نحو ثلاث زيادات إضافية.
وبحسب تقديرات بنك آي إن جي، فإن ارتفاع عوائد السندات منذ سبتمبر/أيلول يعادل من حيث أثره المالي زيادة بنحو 25 نقطة أساس في الفائدة بألمانيا وما يقارب 50 نقطة أساس في فرنسا، ما يضاعف الضغوط على الاقتصاد الفرنسي المثقل بالمخاوف المالية. وتبرز أمام القيادة المقبلة قضية حساسية تتعلق بكيفية التعامل مع التفاوت في تكاليف الاقتراض بين دول المنطقة، خصوصاً عبر أداة حماية انتقال السياسة النقدية التي لم تُستخدم منذ إنشائها.
كانت لاغارد قد أكدت أن معالجة الضغوط المالية الفرنسية تقع أساساً على عاتق السياسات المالية المحلية، وهو موقف يجعل توجه الرئيس المقبل تجاه التدخل في أسواق السندات محل اهتمام المستثمرين. فاختيار رئيس أكثر استعداداً لاستخدام أدوات التدخل قد يخفف الضغوط على السندات الفرنسية لكنه قد يثير تساؤلات بشأن التزام البنك بمكافحة التضخم، والعكس صحيح.
أسئلة شائعة
متى يغادر كريستين لاغارد منصبها؟
تغادر لاغارد منصبها في 7 فبراير/شباط 2027، قبل نحو تسعة أشهر من انتهاء ولايتها المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2027.
من يختار رئيس البنك المركزي الأوروبي؟
يتولى المجلس الأوروبي التعيين بأغلبية مؤهلة بناء على توصية من مجلس الاتحاد الأوروبي وبعد التشاور مع البرلمان الأوروبي ومجلس محافظي البنك، وفق المادة 283 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي.
لماذا يُنظر إلى توقيت الرحيل باعتباره حساساً؟
لأن اختيار الخليفة سيُحسم قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل/نيسان 2027، ما يتيح للرئيس ماكرون المشاركة في الاختيار قبل انتهاء ولايته، وسط مخاوف أوروبية من تغير موازين القوى في باريس.
