دخلت الكاتب والنائب الأردني، وفقا لما نقلته الجزيرة في مقالها المنشور في 27 أكتوبر 2026، مدينة الكرك بقلب مثقل بالحزن، لا لزيارة عائلية كعادتها، بل للمشاركة في عزاء أهل الشهيد فادي في بلدة حمود، بعد الجريمة التي استهدفت كنيسة في المحافظة وحولت بيت عبادة إلى ساحة دم. لكن ما خرجت به من مجلس العزاء لم يكن يأسا، بل رسالة وحدات صلبة كجبال الكرك: الأردن أولا، والأردنيون أولا.
تؤكد الكاتبة أن ما حدث في حمود لم يكن يوما قصة مسلمين ومسيحيين، فالمسيحي في الكرك والأردن ليس ضيفا على المسلم، وكلاهما صاحب البيت وشريك في الأرض والتاريخ والمصير. وتشير إلى أن الإرهاب حاول أن يصنع شرخا بين أردني وآخر، لكنه اصطدم بحقيقة أقدم وأصلب: عائلات تداخلت في الحياة والمدارس والجيش والسياسة، ومئذنة وكنيسة تجاورتا في الذاكرة الوطنية قبل أن تتجاورا في الصورة.
جريمة ضد الأردن كله لا ضد طائفة
تصف الكاتبة الواقعة بأنها حدث استثنائي وخطير، لأن الأردن اجتاز سنوات صعود التنظيمات المتطرفة في محيطه الإقليمي، وواجه عمليات إرهابية من دون أن يتحول المسيحي الأردني إلى هدف على أساس هويته الدينية بهذه الصورة. وتطرح سؤالا جوهريا: من أين تسللت الفكرة التي تجعل أردنيا يرى في مواطن آخر هدفا مشروعا لمجرد اختلاف الدين؟
وتلفت إلى سياق إقليمي ودولي يستحق الانتباه دون ادعاء علاقة سببية مباشرة، إذ عادت مسألة الوجود المسيحي في المشرق بقوة خلال العام الحالي إلى النقاش السياسي والإعلامي الغربي، بالتوازي مع الجدل حول أوضاع المسيحيين الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وغزة.
السياق الدولي: من زيارة كارلسون إلى خطاب الملك في الأمم المتحدة
تذكر الكاتبة أن الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون زار منطقة المغطس في الأردن في فبراير الماضي، وأجرى مقابلات تناولت أوضاع المسيحيين في الأرض المقدسة، كان أبرزها شهادة رجل الأعمال الأردني سعد المعشر عن كون المسيحيين الأردنيين جزءا أصيلا من المجتمع والثقافة العربية والإسلامية. وتطورت الحلقة لاحقا إلى مواجهة إعلامية بين كارلسون والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في قلب نقاش أمريكي واسع حول سردية التراث الديني في الغرب وإسرائيل وموقعها في المخيال السياسي لدى قطاعات من المسيحيين الأمريكيين.
وتشير الكاتبة إلى أن الأردن وجد نفسه يقدم، من خلال واقعه لا دعايته، نموذجا مختلفا، مستذكرة ما قاله الملك عبدالله الثاني قبل أسابيع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من أن محاولة تصوير الصراع في فلسطين باعتباره حربا بين الأديان هي تصوير زائف، وأن القضية تتعلق بحقوق الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين، مع تأكيد التزام الأردن حماية الوجود والتراث المسيحي في أرضه التاريخية إلى جانب حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ومن هذا المنطلق، ترى الكاتبة أن جريمة حمود أكثر من حادث أمني داخلي، لأنها أصابت واحدا من أثمن عناصر الصورة الأردنية: نموذج المواطنة والعيش المشترك في قلب المشرق. وقد رصدت تغطيات إعلامية أردنية عدة هذا المعنى، إذ أكدت وكالة إنجاز الإخبارية أن الأوطان لا تنتصر إلا حين تتحول وحدتها إلى سلوك يومي وعدالتها إلى ممارسة، فيما ذهب مهندس عامر الجيوسي في مقاله على مدار الساعة إلى أن رص الصفوف خلف القيادة الهاشمية بات ضرورة وطنية في ظل التحديات الإقليمية المحيطة بالمملكة.
مجلس العزاء: الإجابة التي لم تصدر عن مؤتمر
تقول الكاتبة إنها وجدت الإجابة الأردنية في مجلس عزاء النساء في حمود، حيث خرجت حرقة القلب كما هي، وحملت الأمهات والنواب الأمانة الأثقل بكلمة واحدة: نريد العدالة. وتوضح أن الناس في المصائب الكبرى لا يحتاجون فقط إلى خطابات عن الوحدة الوطنية، بل إلى دولة عادلة وقانون نافذ وحقيقة كاملة.
وسط الحزن، كما تنقل صحافة 24 في تلخيصها لمقال الجزيرة، كانت الرسالة ثابتة: كلنا أصحاب عزاء، وكلنا أهل دم، وكلنا ضد الإرهاب، وكلنا عصيون على الفتنة. وترى الكاتبة أن صدور هذه الكلمات من إنسان دفن عزيزا قبل ساعات يكشف شيئا أعمق في الشخصية الأردنية، تلك الفطرة الوطنية التي تجعل الأردنيين عند الخطر يعضون على بلدهم وأهلهم بالنواجذ.
ماذا بعد حمود؟ مراجعة وطنية لا تكتفي بالقبض على الجناة
تحذر الكاتبة من أخطر ما يمكن فعله بعد حمود: الاحتفال بالوحدة ثم اعتبار الملف منتهيا بعد القبض على الجناة. وتدعو إلى مراجعة وطنية جادة لخطاب الكراهية والمحتوى الرقمي المتطرف، ومراجعة لإبعاد العلماء والدعاة المعتدلين عن المنابر ومساحات التفاعل المجتمعي، ومراجعة لتعديل الخطاب والمناهج بما لا يراعي الخصوصية الثقافية الأردنية التي تعمق وشائج الأخوة والعيش المشترك، مع التزام الأردن الأبدي بقضية فلسطين التي عمده أبناء حمود فداءهم بالدم.
وتدعو كذلك إلى الانتقال من مفهوم التسامح إلى مفهوم المواطنة، فالتسامح جميل لكنه يفترض ضمنا وجود أغلبية تمنح أقلية مساحة للوجود، أما المواطنة فتقول إن الدولة ملك للجميع والحقوق ليست منحة من أحد.
العدالة جبر لا انتقام
تشير الكاتبة إلى أن الأجهزة الأمنية نجحت في الوصول إلى المشتبه بهم واعتقالهم، لكنها تؤكد أن النجاح الأمني ينبغي أن تكتمل حلقته بالنجاح القضائي والقانوني والاجتماعي. فالعدالة في نظرها جبر: جبر لأم تنتظر أن تعرف لماذا خرج ابنها ولم يعد، وجبر لأب احمرت عيناه من البكاء، وجبر لقرية انتهكت حرمة عزائها وكنيستها، وجبر لوطن أراد المجرمون تمزيقه فأجابهم بوحدة دمه وأبنائه.
وتختم بالقول إن الرد الأقوى ليس فقط أن يقف الناس أمام الكنيسة ليقولوا نحن معكم، بل أن يقفوا جميعا داخل كل ميادين الوطن ليقولوا: نحن معا، وأن يبقى واجب الدولة تحقيق العدالة، وواجب المجتمع حراسة وعيه، حتى لا يحدد الإرهاب هوية الأوطان ولا يترك التطرف مهمة تعريف المسلم بالمسيحي أو المسيحي بالمسلم.
أسئلة شائعة
ما الذي حدث في كنيسة الكرك؟
استهدف هجوم مسلح كنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك جنوب الأردن، وأسفر عن استشهاد أردني فيما يبدو من التغطيات، واعتقلت الأجهزة الأمنية المشتبه بهم، بحسب ما نقلت الجزيرة في 27 أكتوبر 2026.
كيف رد المجتمع الأردني على الجريمة؟
توافد المسلمون والمسيحيون معا على مجالس العزاء، ورفعوا رسالة وحدة وطنية واضحة: دمهم واحد والفتنة مرفوضة، كما وثقت تغطيات إعلامية أردنية متعددة.
ما موقف الملك عبدالله الثاني من تصوير الصراع كحرب أديان؟
قال الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن تصوير الصراع في فلسطين كحرب بين الأديان تصوير زائف، مؤكدا أن القضية تتعلق بحقوق الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين.
