مع حلول موسم قطاف الزيتون في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحوّلت حقول الضفة الغربية إلى مسرح مفتوح على أزمة مزدوجة: منع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أشجارهم تحت تهديد السلاح، ومحاكاة صريحة من جانب مستوطنين للطقوس الاجتماعية الفلسطينية المرتبطة بالموسم، في محاولة تبدو أعمق من سرقة المحصول، إذ تستهدف الرمز والذاكرة والرواية ذاتها.
فبحسب ما وثّقته الجزيرة نت في تقرير موسّع نشرته يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تزامنت اعتداءات المتطرفين على القطّاف مع انتشار مقاطع مصورة تُظهر مستوطنين يفرشون الأغطية لجمع الزيتون، ويعدون الطعام على الحطب، بل وينظمون زفة عرس تحاكي الزفة الفلسطينية الشهيرة في مواسم الأعراس الريفية.
موسم تحوّل من احتفال إلى خطر على الحياة
يحمل موسم الزيتون في الوجدان الفلسطيني مكانة تتجاوز البعد الزراعي؛ فهو مناسبة اجتماعية تتوارثها الأجيال، تتوزع فيها المهام بين الكبار والصغار، وتُوقد النيران لإعداد الطعام والشاي بين الأشجار. غير أن المشهد تغيّر هذا العام جوهرياً.
يقول الباحث في الموروث الشعبي الفلسطيني إدريس جرادات للجزيرة نت إن القطاف التقليدي يحتاج جماعة كبيرة، لكل فرد فيها دور: كبار السن يقلّبون الثمار، والشبان يصعدون إلى الأغصان، والصغار يلتقطون من الأسفل، في أجواء لها طقوسها وجانبها الروحي.
ويضيف جرادات أن الفلسطينيين حُرموا من ذلك كله، وحلّ مكانه ما وصفه بأنه أجواء خوف وتوتر وعرضة للقتل في كل لحظة، مشيراً إلى فلسطينيين قُتلوا أو أُحرقت سياراتهم أو اعتُدي عليهم وهم يقطفون الزيتون في الأعوام الأخيرة وفي هذا العام تحديداً.
وقد واجه الباحث نفسه这一 المشهد عن قرب؛ حين اعترضه مستوطنون مسلحون في أرضه، وأجبروه تحت التهديد على إلقاء الثمار ومغادرة المكان.
ويصف جرادات الاعتداء على شجرة الزيتون بأنه إبادة للوجود وللغذاء الصحي، مستشهداً بالمثل الشعبي الفلسطيني قمح وزيت سبعين في البيت، في إشارة إلى المكانة المركزية للمحصولين في الغذاء اليومي للأسرة الفلسطينية، لا سيما خلال أشهر الشتاء.
سرقة الثمار وسرقة المشهد
في قرية فقوعة قرب جنين شمالي الضفة الغربية، يستعيد مفيد جلغوم صورة الموسم كما عرفه الفلسطينيون: عائلات تخرج إلى الحقول، أطفال يتسلقون الأشجار، طعام يُطهى على الحطب، وشاي يجمع العائلة حول النار. لكنه يقول إن الموسم الحالي اتخذ طابعاً مختلفاً كلياً.
ويشير جلغوم إلى إقامة بؤرة رعوية استيطانية قرب القرية قبل نحو شهرين، تضم عائلة من سبعة أفراد، وإلى مشاهد لسرقة الزيتون تحت حماية الجيش الإسرائيلي. كما يروي إصابة شخص برصاصة في ساقه اليمنى خلال اعتداء عليه وهو يقطف الزيتون، وما زال يتلقى العلاج.
لكن ما لفت انتباه جلغوم تجاوز سرقة المحصول إلى ما هو أبعد:
فهم لا يسرقون الثمار فقط، بل التراث الفلسطيني، يقلدون الفلسطيني في أكله وتراثه ليدّعوا أنهم أبناء هذه الأرض.
الاستيطان في سياق أوسع: الأرض والاقتصاد والرواية
يضع خليل التفكجي، الخبير في شؤون الاستيطان والخرائط، هذه المشاهد ضمن سياق أوسع يتعلق بالاستيلاء على الأرض والضغط على الاقتصاد الفلسطيني المعتمد على الزراعة. ويرى أن اختزال ما يجري في تقليد الموروث الشعبي لا يكفي لفهمه، لأن السيطرة على الأرض تمس علاقة الفلسطيني بمصدر رزقه ومجتمعه وثقافته.
ويعتبر التفكجي أن محاكاة المستوطنين لأجواء الموسم جزء من محاولة فرض السردية الإسرائيلية على الضفة الغربية، وفرض رواية مفادها أن قطف الزيتون تراثهم وأن الفلسطينيين هم من سرقوه.
ويشير إلى أن التوسع الاستيطاني لا يقتصر على المستوطنات الكبيرة، بل يشمل الطرق والبؤر الزراعية والرعوية التي تسهم في تضييق المجال المتاح أمام الفلسطينيين للبقاء في أراضيهم وممارسة أنشطتهم الزراعية.
ويقول التفكجي إن محاولات طمس التاريخ ستفشل، فالمستوطنات تبدو غريبة عن البيئة والجغرافيا إلى جانب البيوت العربية المنسجمة معهما، ويضيف أن الاحتلال يستغل الظروف المحلية والدولية لخلق تراث وحضارة له، لكن ذلك سيكون مؤقتاً كما حدث مع مستعمرات قديمة، فيما يبقى الفلسطيني صاحب الأرض والمتجذر فيها.
قراءة قطرية: التراث خط دفاع
من منظور الدوحة، التي جعلت من الحفاظ على الهويات الثقافية للشعوب العربية والإسلامية ركيزة في خطابها العام ودبلوماسيتها الثقافية، يشكّل استهداف الموروث الفلسطيني امتداداً للاستيلاء على الأرض ذاتها. فالصراع اليوم لا يُدار بالبندقية وحده، بل بالرمز والذاكرة والسردية، وهو ما يفرض على المؤسسات الثقافية العربية والإسلامية مسؤولية مضاعفة في توثيق هذا الإرث وحمايته وتقديمه للعالم.
وتكشف هذه التطورات أن معركة الرواية جزء لا يتجزأ من معركة الأرض، وأن الذاكرة الشعبية، بشائرها ومواسمها ورموزها، تبقى سلاحاً لا يمكن مصادرته بالقوة، مهما تكررت محاولات التزييف والتقليد.
أسئلة شائعة
لماذا يقلد المستوطنون طقوس موسم الزيتون الفلسطيني؟
يرى خبراء فلسطينيون أن التقليد جزء من محاولة فرض سردية إسرائيلية تزعم أن قطف الزيتون تراث المستوطنين، إلى جانب الهدف المتمثل في الاستيلاء على الأرض والمحصول.
ما القيمة الثقافية لموسم الزيتون عند الفلسطينيين؟
الموسم مناسبة اجتماعية واقتصادية وتربوية تتجسد فيها العونة والعمل التطوعي وتوزيع المهام بين أفراد العائلة، وترتبط به أطباق وأعراف متوارثة تشكل جزءاً من الهوية الفلسطينية.
ما حجم الاعتداءات خلال موسم 2026؟
وفق تقرير لموقع عاج نُشر قبل يومين، شهدت قرى شمال رام الله وجنوب نابلس اشتباكات متصاعدة بين جماعات استيطانية مسلحة ومواطنين يسعون للوصول إلى أراضيهم، ما واكبه قتل وجرح عشرات الفلسطينيين وإحراق مركبات وسرقة المحصول.
هل اقتصرت الاعتداءات على سرقة المحصول؟
لا؛ فقد وثّقت تقارير صحفية تصاعد العنف خلال موسم الحصاد الحالي على نطاق واسع، بحسب فلسطينيين ومنظمات حقوقية إسرائيلية وأمم المتحدة، فيما كشفت جريدة القدس محاولات المستوطنين تقليد الطقوس لفرض رواية زائفة.
