مؤسسة سمير: من قلب غزة إلى العالم.. قصة طبيب فلسطيني يحوّل الفقدان إلى أمل
في مشهد يجسّد صمود الإنسان الفلسطيني وإصراره على الحياة، يروي الطبيب الشاب عز الدين لولو قصة استثنائية من غزة، حيث تحوّل فقدانه لعشرين فرداً من عائلته، بينهم والده سمير، إلى مشروع إنساني عالمي يحمل اسم والده ويحمل رسالة أمل لآلاف الطلاب. هذه القصة التي تابعتها الجزيرة، تسلط الضوء على قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى بناء، وتؤكد مجدداً أن غزة ليست مجرد أرض تحت الحصار، بل مصدر إلهام للعالم.
كيف بدأت رحلة عز الدين لولو من غرفة العناية إلى العالمية؟
في 12 نوفمبر 2023، وبينما كان عز الدين لولو، طالب الطب المتطوع في مستشفى الشفاء بغزة، يلقّن المرضى الشهادتين في لحظاتهم الأخيرة بسبب نفاد الأكسجين، لم يكن يعلم أن القدر يخبئ له خبراً مفجعاً. في اليوم التالي، علم باستشهاد نحو 20 فرداً من عائلته في قصف استهدف منزلاً نزحوا إليه في حي الرمال غربي غزة، بينهم والده سمير وشقيقه الأكبر حذيفة وابنته وزوجته الحامل. والدته نجت لكنها أصيبت بجراح بالغة.
رغم الفاجعة، لم يسمح عز الدين لنفسه بالانهيار؛ فمجمع الشفاء كان في حالة انهيار شبه كاملة، والحصار الإسرائيلي يخنق كل شيء. تحامل على نفسه وواصل عمله، ثم شارك في دفن الضحايا داخل باحات المجمع، دون أن يستطيع مغادرة المكان لتفقد ذويه ودفنهم. هكذا وجد نفسه أمام وجهين متلازمين للحرب: طبيب يحاول إنقاذ الآخرين، وابن يحاول استيعاب فقدان عائلته.
من هو سمير لولو الذي تحول اسمه إلى مؤسسة عالمية؟
كان والد عز الدين، سمير لولو (57 عاماً)، يعمل في تجارة الذهب بسوق القيسارية، لكنه درس التربية الإسلامية إلى جانب عمله. كان يؤمن بأن العلم قيمة تتجاوز المال، وكان يتمنى أن يرى ابنه يوماً بين كبار العلماء. بعد يوم طويل من العمل، كان يعود إلى المنزل ويتجه إلى غرفة ابنه ليسأله عما قرأ ودرس ورسم. حين استشهد سمير، لم يفقد عز الدين أباه فقط، بل فقد الرجل الذي ظل يدفعه نحو العلم ويؤمن بمستقبله.
كيف تحولت فكرة إغاثية إلى مؤسسة دولية مرخصة في بريطانيا؟
بعد إخلاء قوات الاحتلال مجمع الشفاء قسراً، بدأ عز الدين رحلة البحث عن والدته السيدة هنادي سكيك، التي عثر عليها في حي الدرج مصابة بجراح بالغة. لكن العثور عليها لم يضع حداً لمأساته؛ فجثامين أفراد عائلته ما تزال تحت الأنقاض. كان على عز الدين أن يعتني بوالدته ويواصل عمله الطبي بعد تخرجه من كلية الطب، حيث عمل في عيادة السلام والمستشفى المعمداني، مشاركاً في عشرات العمليات وسط نقص حاد في الإمكانات.
لكن تجربة الحرب دفعته إلى سؤال أكبر: ماذا يمكن أن يفعل خارج غرفة العمليات؟ جاءت الفكرة خلال محادثة مع طبيب خارج القطاع، اقترح عليه تأسيس كيان إغاثي. وجد عز الدين في الاقتراح امتداداً لحلم والده، وقرر أن يحمل المشروع اسم مؤسسة سمير، محولاً اسم الرجل الذي فقده إلى مشروع يستهدف دعم التعليم والصحة ومساعدة الفلسطينيين.
ما الذي حققته مؤسسة سمير حتى الآن؟
بدأ عز الدين ببناء المؤسسة من داخل القطاع بجهود ذاتية، مستفيداً من منصاته الرقمية وعلاقاته مع أطباء وداعمين في الخارج. ومع الوقت، توسعت المؤسسة لتصبح منظمة دولية غير ربحية مرخصة في بريطانيا، وتضم شبكة من نحو 350 سفيراً في 47 دولة، بينهم أساتذة في جامعتي أكسفورد وكامبريدج.
- دعم طلاب الطب: عبر شراكة كندية، وفرت المؤسسة دعماً مالياً لنحو 760 طالباً ومُعيداً من جامعتي الإسلامية والأزهر، لمساعدتهم على تغطية نفقات شهرية والعودة إلى التدريب العملي.
- منحة سمير: أطلقت المؤسسة منحة سمير كإحدى كبرى المنح المتخصصة في دعم طلبة الطب البشري في فلسطين؛ استفاد منها 100 طالب وطالبة عام 2025، وشملت 80 منحة جزئية لتغطية فصل دراسي كامل (بحد أدنى 1300 دولار لكل طالب)، و10 منح بكفالة كاملة حتى التخرج، و10 منح لتغطية عام دراسي كامل. وتستعد لإطلاق منحة عام 2026 بقيمة 100 ألف دولار.
- البنية التحتية: تولت المؤسسة ترميم وتأهيل أكثر من 5 قاعات داخل مستشفيات غزة المتضررة، من بينها مستشفى الرنتيسي ومستشفى الخدمة العامة ومستشفى شهداء الأقصى، وحولتها إلى مساحات مجهزة للاجتماعات الطبية والدراسة والتدريب السريري.
- التعليم الطبي: نظمت المؤسسة في مجمع الشفاء حفلاً لتخريج طلبة الطب من جامعتي الأزهر والإسلامية، في تجمع للخريجين هو الأول من نوعه بين الجامعتين منذ عام 2006.
ما هي التحديات والطموحات المستقبلية؟
اليوم، يواجه مشروع مؤسسة سمير تحديات جديدة؛ فما تزال مواد ومعدات طبية ونماذج للمحاكاة السريرية عالقة خارج القطاع، فيما يعمل الفريق على ترميم القاعات المتضررة وافتتاح مساحات تعليمية جديدة في خانيونس وشمال غزة. لكن عز الدين ينظر إلى ما هو أبعد من الدعم الطارئ، ويسعى إلى إنشاء مركز للمحاكاة السريرية، والعمل مستقبلاً على بناء كلية طبية متكاملة.
كل ذلك يحدث تحت اسم والده سمير لولو، والمفارقة هنا أن المؤسسة التي تحمل اسم سمير وتوسع نشاطها لدعم طلاب الطب وبناء مستقبل التعليم الطبي، ما تزال عاجزة منذ ثلاث سنوات عن الوصول إلى صاحب الاسم نفسه، ومنحه قبراً يواري جثمانه. هذه القصة، التي ترويها الجزيرة، تعكس روح التضامن العربي والإسلامي، وتؤكد أن غزة ستظل رمزاً للصمود والأمل رغم كل التحديات.
أسئلة شائعة حول مؤسسة سمير
ما هي منحة سمير وكيف يمكن التقديم عليها؟
منحة سمير هي إحدى كبرى المنح المتخصصة في دعم طلبة الطب البشري في فلسطين، أطلقتها مؤسسة سمير عام 2025. شملت 100 طالب وطالبة، وتتضمن منحاً جزئية وكاملة حتى التخرج. تستعد المؤسسة لإطلاق منحة عام 2026 بقيمة 100 ألف دولار، وتتم عملية الاختيار وفق مقابلات ومعايير دقيقة.
كيف يمكن دعم مؤسسة سمير من الخارج؟
يمكن دعم المؤسسة عبر شبكة سفرائها المنتشرين في 47 دولة، أو من خلال التبرع المباشر للمنظمة الدولية غير الربحية المرخصة في بريطانيا. كما يمكن للجامعات والمؤسسات التعليمية التعاون معها في برامج التدريب والدعم.
ما هي أبرز إنجازات مؤسسة سمير في غزة؟
من أبرز الإنجازات: دعم 760 طالب طب، ترميم 5 قاعات في مستشفيات غزة، تنظيم أول حفل تخريج مشترك بين جامعتي الأزهر والإسلامية منذ 2006، وإطلاق منحة سمير التي استفاد منها 100 طالب عام 2025.