تاريخ التصوير الفوتوغرافي في القدس: إرث ثقافي مهدد بالاندثار
تحمل القدس الشريف في طياتها تاريخاً عريقاً من التصوير الفوتوغرافي يمتد لأكثر من قرن ونصف، حيث التقطت أول صورة فوتوغرافية في المدينة المقدسة عام 1839، في العام ذاته الذي أعلن فيه الفرنسي لويس داغير عن اختراعه الثوري.
نشأة المدرسة الفوتوغرافية في القدس
مع أواخر القرن التاسع عشر، تحولت المنطقة الواقعة بين باب الخليل والباب الجديد إلى مركز نشط للتصوير الفوتوغرافي، حيث أسس المصور الأرمني كريكوريان أول أستوديو تصوير عام 1885. وعلى يديه تتلمذ خليل رعد، الذي أصبح أول مصور عربي محترف في فلسطين، مؤسساً بذلك تقليداً فوتوغرافياً عربياً أصيلاً.
وقد شهدت هذه المنطقة تطوراً ملحوظاً حتى أصبحت تُعرف باسم سوق القدس الفوتوغرافي، حيث التقى ممارسو التصوير والراغبون في توثيق حياتهم أو اقتناء صور للمدينة المقدسة.
رواد التصوير العرب والأرمن
برز في تلك الحقبة عدد من الرواد الذين أسهموا في تأسيس المدرسة الفوتوغرافية المقدسية. فقد أنشأ الأرمني أسايا غرابيديان عام 1860 أول ورشة لتعليم التصوير في دير القديس يعقوب بحي الأرمن، واضعاً بذلك الأساس لما أصبح يُعرف بالمدرسة الأرمنية في التصوير.
ومن أبرز طلاب هذه المدرسة كان المصور كرابيد كريكوريان، الذي افتتح أول أستوديو فوتوغرافي في شارع يافا عام 1885. وقد تخصص كريكوريان في تصوير البورتريه، بينما اتجه تلميذه خليل رعد لتوثيق الحياة اليومية الفلسطينية بعد أن افتتح أستوديوه الخاص عام 1890.
خليل رعد: رائد التصوير العربي
وُلد خليل رعد في القدس عام 1869، وأصبح من أبرز المصورين الفلسطينيين في عصره. بعد تدريبه على يد كريكوريان، سافر إلى بازل في سويسرا لاستكمال تعليمه، ثم عاد وفتح أستوديوه الخاص في شارع يافا.
عُرف رعد بقدرته الفائقة على التصوير الخارجي، وتقديم صور غنية بالتفاصيل توثق مختلف نواحي الحياة الفلسطينية. خلف رعد نحو 1230 صورة زجاجية تُعد وثائق مهمة، وقد شاركته أخته في العمل عبر تلوين الصور يدوياً بالألوان المائية.
دور المدرسة الأمريكية
لعبت الكولوني الأمريكية التي تأسست في القدس عام 1881 دوراً مهماً في تطوير فن التصوير، حيث أنشأت دائرة تصوير بارزة عملت بين عامي 1897 و1934، وأصبحت من أشهر أستوديوهات التصوير في الشرق الأوسط.
وقد تتلمذ على يد مصوري هذه المؤسسة عدد من الفلسطينيين البارزين، منهم الأخوان نجيب وجميل ألبينا، وحنّا صافية، الذين أصبحوا من أعلام التصوير في فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين.
النكبة وتدمير الإرث الثقافي
شهدت سوق التصوير الفوتوغرافي في القدس تحولات جذرية بعد نكبة عام 1948، إذ فقد المصورون العرب والأرمن القدرة على الوصول إلى أستوديوهاتهم ومواقع عملهم، نتيجة التقسيم الجغرافي الجديد وسيطرة الاحتلال الإسرائيلي على الجزء الغربي من المدينة.
تعرضت أستوديوهات التصوير الفلسطينية للنهب والتدمير على يد قوات الاحتلال، ومن أبرز الشخصيات التي عاصرت هذه المرحلة المصور خليل رصاص، الذي وثّق أحداث النكبة. وقد صودر أرشيفه بعد وفاته عام 1974 ونُقل إلى أرشيف جيش الاحتلال، ولا تزال صوره محتجزة حتى اليوم.
المقاومة الثقافية والاستمرارية
رغم الظروف القاسية، استطاع بعض المصورين الفلسطينيين والأرمن مواصلة العمل أو إعادة تأسيس أستوديوهاتهم في أحياء جديدة داخل المدينة. من بين هذه الأستوديوهات برز فوتو رصاص وإيليا فوتو وأستوديو غارو.
انتشرت هذه الأستوديوهات في مناطق شرقي القدس، خاصة في شارع الزهراء وشارع نابلس وباب العامود، والتي تحولت إلى مراكز ثقافية وتجارية نشطة، عكست استمرارية الحياة الفلسطينية رغم التهجير والاحتلال.
إن تاريخ التصوير الفوتوغرافي في القدس يمثل جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي العربي والإسلامي، ويستدعي الحفاظ عليه وحمايته من محاولات الطمس والتشويه التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الهوية الفلسطينية العريقة.