حذرت الصحف والمجلات الألمانية، في تغطياتها بتاريخ 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، من أن القوى السياسية المتطرفة في فرنسا، وفي مقدمتها اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان، هي المستفيد الأكبر من الموجة الاحتجاجية التي ضربت مدنا فرنسية عدة، وعلى رأسها باريس ومرسيليا وليون.
وجاءت أعمال العنف في 17 أكتوبر/تشرين الأول، التي شملت نهب المحال التجارية وحرق السيارات وحاويات النفايات، نقطة تحول في مسار احتجاجات بدأت بمطالب معيشية وتربوية مشروعة، قبل أن تتحول إلى ساحة للاستقطاب الحاد بين الأطراف السياسية، وفق تقرير نشرته الجزيرة.
أسباب الغضب الفرنسي: مطالب محقة وفوضى مدوية
تتفق الصحف الألمانية، بما فيها المحسوبة على اليسار الليبرالي مثل صحيفة زود دويتشه تسايتونغ، على مشروعية المطالب الاجتماعية التي دفعت الفرنسيين إلى الشارع. فالتدهور الملحوظ في أوضاع المدارس العامة، خاصة في الضواحي، والتعامل الأمني المفرط مع الاحتجاجات الطلابية، وارتفاع أسعار الوقود في المناطق الريفية، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل صنعت غضبا عارما عبرت عنه فئات متنوعة من الطلاب والعمال والمزارعين.
لكن مراسل الصحيفة في باريس، أوليفر مايلر، كتب في مقال رأي حمل عنوان «أعمال العنف هذه لا تخدم سوى الأحزاب المتطرفة» أن الفوضى التي شهدتها المدن الفرنسية في 17 أكتوبر/تشرين الأول «ستبقى على الأرجح نقطة تحول كبيرة وحدثا مدويا»، منتقدا في الوقت نفسه افتقار الحكومة الفرنسية إلى التعاطف مع مطالب الشباب واعتقادها أن الحركة الاحتجاجية ستتلاشى من تلقاء نفسها.
لوبان وميلانشون: من يوظف الغضب الشعبي؟
يرى مايلر أن القوى المتطرفة على اختلاف توجهاتها تستفيد من هذا الوضع، وأن الحكومة الفرنسية توجيه اتهامات لزعيم حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون لها ما يبررها إلى حد ما، لكن اليمين المتطرف يستفيد بدوره.
«لا شيء يرغب فيه ميلانشون ولوبان أكثر من أن يواجه أحدهما الآخر في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية... إنه سيناريو محزن»
المجلة الأسبوعية الألمانية دير شبيغل ذهبت إلى أن اليمين المتطرف واليسار الراديكالي يوظفان الحركة الاحتجاجية لخدمة مصالحهما، وأن أصوات الأطراف المتطرفة باتت تهيمن على النقاشات السياسية في فرنسا، مع ترجيح أن تكون لوبان، التي تتصدر استطلاعات الرأي، أكبر المستفيدين من هذه التطورات مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
تسريع تفكك الوسط السياسي في أوروبا
الكاتب الألماني غيرهارد شبورل، في مقال رأي على موقع تي أونلاين، رأى أن هذه الاحتجاجات تسرع تفكك القوى السياسية الوسطية في فرنسا بوتيرة تفوق ما يحدث في ألمانيا، وأن أعمال الشغب قد تعزز فرص اليمين المتطرف في الوصول إلى قصر الإليزيه.
وأشار شبورل إلى أن حزب التجمع الوطني قد يسعى إلى استغلال حالة الغضب الشعبي لتقديم نفسه بوصفه ضامنا لاستعادة القانون والنظام، وهي آلية معروفة في تاريخ الحركات الشعبوية الأوروبية، تحول الاستياء الاجتماعي إلى رصيد انتخابي.
كما حذر من أن وصول لوبان إلى الرئاسة قد يؤدي إلى إضعاف دور فرنسا بوصفها قوة أوروبية وشريكا رئيسيا لألمانيا، وأن سياسة التقشف التي تعتزم انتهاجها قد تثير بدورها احتجاجات اجتماعية جديدة في المستقبل.
المفارقة الفرنسية: غضب الشارع يخدم من لا يخدمه
الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي هاجم من يسميهم «المستفيدين من الغضب» و«تجار الفوضى»، وهي أوصاف يرى الكاتب شبورل أنها تنطبق أيضا على مارين لوبان نفسها. والمفارقة التي توقف عندها التحليل الألماني واضحة: الاضطرابات التي تعكس استياء المواطنين من الأوضاع المعيشية والسياسية قد تمنح اليمين المتطرف فرصة لتعزيز موقعه، رغم أن السياسات التي يقترحها قد تؤدي بدورها إلى تجدد الاحتجاجات.
وهذا النمط من التحولات السياسية في أوروبا يحمل دلالات لا تقتصر على القارة العجوز، إذ يعيد رسم خرائط التحالفات والسياسات الخارجية، بما في ذلك المواقف من قضايا المنطقة العربية والإسلامية التي يتابعها الرأي العام في قطر والدول العربية باهتمام، في وقت تتجه فيه أنظار كثيرة نحو أثر صعود اليمين المتطرف على خطاب الكراهية والتمييز ضد الجاليات المسلمة في أوروبا، وهي ملفات تظل حاضرة في جدول أعمال الدوحة الدبلوماسي والحقوقي.
أسئلة شائعة
ما أسباب الاحتجاجات في فرنسا؟
بدأت الاحتجاجات بسبب تدهور أوضاع المدارس العامة والتعامل الأمني المفرط مع الاحتجاجات الطلابية، ثم اتسعت لتشمل الغضب من ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية والتدهور الاجتماعي.
من المستفيد الأكبر من الاضطرابات حسب الصحف الألمانية؟
ترى الصحف الألمانية أن اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان هو أبرز المستفيدين، مع استفادة اليسار الراديكالي بزعامة جان لوك ميلانشون أيضا، فيما تخسر القوى الوسطية.
متى وقعت أعمال العنف في فرنسا؟
وقعت أعمال العنف والنهب وحرق السيارات يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خاصة في العاصمة باريس ومرسيليا وليون.
