كيف تحوّلت صناعة التوابيت في الكونغو إلى اقتصاد الموت وسط أسوأ تفشٍّ لإيبولا؟
في مدينة بونيا شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، لم يعد النجار دجو ليمايو بحاجة إلى انتظار الزبائن طويلا، فمنذ عودة تفشي إيبولا باتت ورشته منشغلة بصناعة التوابيت بوتيرة لم يعرفها من قبل. هذا المشهد يعكس تحولا عميقا في حياة المدينة، حيث أصبحت صناعة التوابيت النشاط الأبرز في شوارعها مع ارتفاع أعداد الوفيات جراء الوباء.
تفشٍّ هو الأسرع انتشارا في تاريخ الكونغو
يأتي ازدهار تجارة التوابيت في وقت تواجه فيه الكونغو تفشيا لإيبولا وُصف بأنه الأسرع نموا في تاريخ البلاد، وسط مخاوف من أن يتحول إلى الأسوأ على الإطلاق. وحتى يوم السبت، سجلت السلطات الكونغولية 6041 إصابة مؤكدة و2911 وفاة مؤكدة، في حين قال شهود إن عدد التوابيت المعروضة في شوارع بونيا كان أكبر خلال الأسابيع الأولى من التفشي، عندما ارتفعت أعداد الوفيات بصورة حادة.
ورغم ذلك، لم تفقد المدينة بالكامل صخبها المعتاد، إذ لا تزال الأعمال الصغيرة تنتشر على جانبي الطرق، كما أقامت إحدى الجامعات حفلا للتخرج خلال عطلة نهاية الأسبوع، في صورة تعكس محاولة السكان مواصلة حياتهم اليومية تحت وطأة الوباء.
تجارة لا تنتظر الزبائن
بالنسبة إلى ليمايو، تبدأ عملية صناعة التابوت من سوق الأخشاب على الجانب الآخر من المدينة، حيث يتوجه كل بضعة أيام بدراجته النارية لشراء ألواح الخشب، قبل أن تُنقل إلى ورشته بشاحنة. هناك، يعمل مع مجموعة من المتدربين على نشر الأخشاب وتسويتها باستخدام أدوات كهربائية، لكن العمل يتوقف تماما عندما تهطل الأمطار، إذ تتحول الأسلاك الممتدة في الوحل إلى خطر حقيقي للصعق الكهربائي في الورشة المفتوحة.
ومع ذلك، لا تأتي طلبات شراء التوابيت وفق جدول يمكن توقعه. ويقول عدد من النجارين إن الأسر تصل إليهم عادة على عجل، وغالبا في اليوم نفسه الذي يتوفى فيه أحد أفرادها. وتكون عملية الشراء قصيرة؛ إذ يصل أفراد الأسرة على دراجات نارية ويختارون التابوت بسرعة، وغالبا وفقا للسعر، قبل أن يلفه العمال بغلاف بلاستيكي ويثبتوه بحبال مطاطية على الجزء الخلفي من الدراجة.
وعلى الرغم من إحكام ربطه، يظل التابوت بارزا وغير مستقر على جانبي الدراجة، في مشهد أصبح مألوفا في شوارع بونيا مع استمرار التفشي.
الدفن جزء من معركة الوباء
لكن ازدياد الطلب على التوابيت لا يقتصر على كونه نتيجة مباشرة لارتفاع الوفيات؛ إذ وُضع صانعوها في قلب معضلة صحية تتعلق بكيفية دفن ضحايا إيبولا من دون نقل العدوى إلى أفراد أسرهم. ويؤكد خبراء طبيون أن الدفن الآمن يُمثّل خطوة أساسية للحد من انتشار الفيروس؛ لأن جثمان المتوفى بإيبولا يظل قادرا على نقل العدوى، في حين يشكل لمس الجثمان قبل الدفن جزءا من تقاليد بعض الأسر في مناطق من الكونغو.
وتوفر منظمات إغاثية، بينها الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أكياسا خاصة توضع فيها الجثامين قبل إدخالها إلى التوابيت، كما يعمل العاملون في المجال الإنساني على إقناع الأسر بعدم فتحها بعد إغلاقها. هذا الدور الإنساني يذكّرنا بأهمية التضامن الدولي في مواجهة الأوبئة، وهو ما يوليه العالم الإسلامي اهتماما خاصا في إطار قيمه الإنسانية.
كيف تتعامل الأسر الكونغولية مع تكاليف الدفن؟
ومثل ليمايو، شهد نجارون آخرون ارتفاعا في الطلب، وقال فيليكس موزينغا، الذي يدير ورشة