رفع المدرب محمد وهبي سقف الطموحات العربية في مونديال 2026، معلناً أن المنتخب المغربي يستهدف العودة بالكأس إلى الرباط. التصريح جريء بلا شك، لكنه يستند إلى معطيات فنية وأرقام قياسية حققها «أسود الأطلس» في دور المجموعات، قبل أن يضعهم نظام البطولة الجديد أمام مسار إقصائي شديد التعقيد يبدأ بدور الـ32. فهل يملك المغرب ما يجعل حلم اللقب مشروعاً، أم أن الطريق إلى النهائي أعقد من أن يُختصر في خطاب تحفيزي؟
لماذا يضع وصافة المجموعة المغرب في موقف صعب؟
النظام الجديد لكأس العالم 2026، الذي يستضيف 48 منتخباً موزعين على 12 مجموعة، يفرض تحدياً إضافياً على كل طامح باللقب. التأهل إلى دور الـ32 يعني خوض ثلاث مباريات في المجموعة ثم خمس مواجهات فاصلة، وهو مسار أطول من أي نسخة سابقة. أنهى المغرب دور المجموعات بسبع نقاط متساوياً مع البرازيل، لكنه حل ثانياً بفارق الأهداف. هذه الوصافة وضعته مباشرة في مواجهة متصدر المجموعة السادسة، وقد يكون هولندا بثقلها التاريخي، أو اليابان بضغطها المنظم، أو السويد بقوتها البدنية.
تجاوز عتبة الـ32 سيضع المغرب في مواجهة الفائز من كندا وجنوب إفريقيا في دور ربع النهائي. أما في نصف النهائي، فسينتظر اختبار ثقيل أمام عملاق أوروبي كألمانيا أو فرنسا أو إسبانيا. في المقابل، يقع كبار أمريكا الجنوبية، البرازيل والأرجنتين، في النصف الآخر من جدول القرعة، ولن يلتقي المغرب بأحدهما إلا في النهائي.
ما الذي تغير في شخصية المنتخب المغربي فنياً؟
تكشف أرقام شبكة «أوبتا» عن تحول جذري في شخصية الفريق. أمام البرازيل، سدد المغرب 12 مرة في الشوط الأول، وصار ثاني منتخب منذ 1966 يسدد خمس كرات على الأقل في أول عشر دقائق أمام «السيليساو». الأكثر دلالة أنه أكمل 157 تمريرة في الثلث الهجومي، أحد أعلى أرقامه تاريخياً في المونديال. ثم أمام إسكتلندا، وصل إلى 601 تمريرة ناجحة، أعلى حصيلة لمنتخب أفريقي في مباراة بكأس العالم منذ 1966. وأمام هايتي، بلغ استحواذه 69%، أعلى استحواذ مغربي في مباراة مونديالية.
هذه الإحصائيات تؤكد أن المغرب لم يعد يعيش على التحول السريع والهجمات المرتدة فحسب، بل صار يفكر ويلعب كالأبطال، يبحث عن امتلاك الكرة وتدويرها ودفع الخصم إلى مناطقه. لكن الامتلاك لا يعني دائماً التحكم. أمام البرازيل، بعد الشوط الأول العنيف هجومياً، لم يسدد المغرب أي كرة بعد الاستراحة حتى الدقيقة التاسعة من الوقت بدل الضائع، ما كشف تحدياً في إدارة النسق والاستمرارية.
كيف يُجسّد إسماعيل صيباري التحول الفني للمغرب؟
إذا كان هناك لاعب يختصر تحول شخصية المغرب الفنية فهو إسماعيل صيباري. سجّل أمام البرازيل، ثم حسم المباراة أمام إسكتلندا بعد 70 ثانية فقط، ثم هز شباك هايتي، ليصبح أول لاعب أفريقي يسجل في مبارقات منتخب بلاده الثلاث في دور المجموعات بنسخة واحدة. لكن قيمته لا تختزل في الأهداف. أمام البرازيل، قام بـ100 عملية ضغط، أعلى رقم مسجل لأي لاعب في مباراة واحدة بكأس العالم 2026 حتى تلك اللحظة.
صيباري جزء من منظومة الضغط، يسجل ويطارد ويغلق زوايا التمرير. إلى جانبه، يقدم إبراهيم دياز بعداً آخر بصناعته هدفين لصيباري، ما يشير إلى علاقة آخذة في النضج. المغرب في 2022 امتلك بنية دفاعية متينة وروحاً جماعية استثنائية مدفوعة بجماهير مغربية وعربية، لكنه في 2026 أضاف تنوعاً في مصادر الخطر؛ دياز بين الخطوط، حكيمي من الطرف الأيمن وبلال الخنوس من الأيسر، صيباري في الضغط والتسجيل، رحيمي من مقاعد البدلاء، وجاسم ياسين كوجه شاب قادر على المفاجأة.
ما الذي كشفه فوز المغرب على هايتي؟
الفوز 4-2 على هايتي يبدو مريحاً على الورق، لكن القراءة العميقة تكشف إنذاراً في ثوب انتصار. المغرب استقبل الهدف الأول، ثم عاد، ثم استقبل من جديد قبل أن يحسم المباراة في الشوط الثاني. هذه علامة إيجابية على الصلابة الذهنية، إذ هو أول فوز مغربي في كأس العالم بعد استقبال الهدف الأول. لكنها تشير كذلك إلى أن الفريق سمح لخصم أقل جودة بأن يدخل المباراة عبر كرات طويلة وتحولات مباشرة وتسديدات بعيدة المدى.
مباريات خروج المغلوب لا ترحم هذا النوع من الفجوات. قد تصنع 10 فرص، لكن كرة واحدة خلف ظهيرك أو تمريرة طويلة تم التعامل معها برعونة قد تغير مستقبلك في البطولة كلياً. في المقابل، سجل المغرب أربعة أهداف في مباراة واحدة بكأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، متجاوزاً نيجيريا ليصبح المنتخب الأفريقي الأكثر تسجيلاً للأهداف في تاريخ المونديال، ورفع عدد هدافيه المختلفين في بطولة واحدة إلى رقم قياسي أفريقي. الخطر لم يعد محصوراً في لاعب واحد أو اثنين، والمنتخبات التي تستهدف اللقب تحتاج إلى تعدد الحلول، لأن الخصوم في الأدوار المتقدمة يستطيعون عزل نجم، لكنهم يصعب أن يعزلوا منظومة كاملة.
هل يمتلك المغرب طريقاً واقعياً نحو اللقب؟
تصريحات محمد وهبي ليست مجرد عاطفة لحظية، بل تستند إلى بنية فنية وعددية متطورة قادرة على منافسة الكبار. لكن الطريق إلى النهائي يتطلب عبور خمسة اختبارات متتالية ضد خصوم متنوعين في الأسلوب والنسق والجودة، مع الحفاظ على لياقة بدنية عالية وتجنب الإصابات. المسار الإقصائي لا يغفر، والتوازن بين الجرأة الهجومية والانضباط الدفاعي سيحدد ما إذا كانت حكاية المغرب في 2026 تاريخية أم عاطفية.