مصادرة أراض في منطقة أ شمال جنين: سابقة تهدد الاستقرار
في خطوة تُعد سابقة خطيرة تمس السيادة الفلسطينية وتنتهك الاتفاقيات الدولية، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مصادرة أكثر من 7 دونمات في منطقة الجابريات بمدينة جنين. وتكتسب هذه الخطوة خطورة بالغة نظرا لوقوع الأرض ضمن المنطقة المصنفة أ، والتي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة وفقا لاتفاق أوسلو. هذا التطور يطرح تساؤلات جادة حول مستقبل الاستقرار في الضفة الغربية، ويستدعي تحركا دوليا وعربيا حازما لحماية الشرعية الدولية ورفض سياسة فرض الأمر الواقع.
خرق للاتفاقيات وتأثير على السيادة الفلسطينية
على مدار السنوات، تركزت سياسات الاستيلاء على الأراضي في المنطقة ج الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وأحيانا في المنطقة ب. أما التوجه الجديد نحو منطقة أ في قلب المدينة السكنية المكتظة، فيشكل انتهاكا صريحا لاتفاق أوسلو الموقع عام 1995. يرى مراقبون أن هذا الإجراء يمثل محاولة لفرض أمر واقع ميداني، وإعادة رسم قواعد السيطرة في شمال الضفة الغربية، مما يضع العلاقات الدولية أمام تحد جديد يتطلب جهودا دبلوماسية مكثفة لاحتوائه.
الجابريات: موقع استراتيجي يهدد حياة المدنيين
تبلغ مساحة الأراضي المصادرة أكثر من 7 دونمات، وهي ملكية خاصة مسجلة رسميا، ووصل بلاغ المصادرة لأصحابها عبر رسالة إلكترونية من الارتباط الفلسطيني. يوضح المواطن جهاد قبها، الذي اشترى الأرض عام 2003، أن البلاغ محدد بانتهاء مفعوله في أواخر ديسمبر 2028، مع غموض يحف مستقبل الأرض بعد هذا التاريخ. ويشير إلى أن الاحتلال يسعى لإقامة أبراج مراقبة في الموقع نظرا لموقعه المطل والمكشف.
من جهته، يؤكد معتصم ستيتي، أحد سكان المنطقة المجاورة، أن إقامة أي استحكام عسكري في الجابريات سيكشف مخيم جنين وأحياء المدينة بالكامل. ويضيف أن الحياة اليومية بجوار موقع عسكري دائم ستصبح صعبة للغاية، خاصة مع وجود نساء وأطفال، مشيرا إلى أن المصادرة قطعت طرقا تربط المنطقة بمحيطها.
مساع قانونية ومخاوف من التمدد العسكري
يحذر رئيس بلدية جنين، محمد جرار، من خطورة هذا القرار المفاجئ، كونه يؤسس لوجود عسكري دائم للاحتلال في قلب المدينة. ويوضح أن المنطقة مصنفة سكن أ ضمن المخطط الهيكلي منذ 30 عاما، ولا تحمل أي صفة أمنية أو مرافق عامة. كما يعتبر هذا الإجراء تعديا على صلاحيات البلدية واعتداء على الاتفاقيات الموقعة، مشددا على أن الاستحكامات العسكرية ستهدد حياة نحو 30 ألف ساكن في المحيط.
تتجه البلدية إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإلغاء قرار المصادرة، مع عقد لقاءات مع السلطة الفلسطينية ومؤسسات حقوقية لتأسيس دعوى تعتمد على حق البلدية في التنظيم وحق المالكين في الاعتراض.
ورغم هذه الخطوات القانونية، لا يخفي المواطنون تشككهم في نزاهة القضاء الإسرائيلي، حيث يتعاملون مع الجهة نفسها التي تصدر القرار وتثبته. ويربط أصحاب الأراضي هذه التحركات بتصاعد الانتهاكات، مطالبين المؤسسات الحقوقية والإعلامية بالتحرك السريع لإنقاذ الأراضي قبل استفحال الخطر.
تصاعد الاستيلاء على الأراضي ومسؤولية المجتمع الدولي
تأتي هذه السابقة في سياق تصعيد غير مسبوق، حيث تشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى استيلاء الاحتلال على نحو 55 ألف دونم في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025. وخلال عام 2025 وحده، صدر 146 أمرا عسكريا لمصادرة أكثر من 11.2 ألف دونم، بالتوازي مع توثيق آلاف الاعتداءات.
إن هذا التمدد الاستيطاني والعسكري يضع المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي، ويبرز الحاجة الماسة لوساطة دولية فعالة تحترم الشرعية الدولية وتحمي حقوق الشعب الفلسطيني. وفي ظل تحذيرات من فرض سيطرة فعلية على مساحات واسعة من الضفة، يبقى التساؤل قائما حول مدى قدرة المؤسسات الدولية على صد هذه الانتهاكات ومنع تحول الأراضي الفلسطينية في قلب المدن إلى ثكنات عسكرية دائمة.