سابقة إسرائيلية في جنين: مصادرة أراضٍ بمنطقة أ وتهديد أوسلو
في مشهد يثير قلق العواصم العربية ويدق ناقوس الخطر حول مستقبل الاتفاقيات الدولية، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي سياساتها التوسعية في الضفة الغربية. وتشكل مصادرة أراضٍ في منطقة أ بجنين سابقة خطيرة تتجاوز مجرد الاستيلاء على الأرض، لتمس صميم السيادة الفلسطينية وتفرغ اتفاق أوسلو من مضمونه، مما يستدعي تحركاً دبلوماسياً حازماً يعكس النفوذ القطري والدور الإقليمي في دعم الحقوق العربية.
الجابريات: انتهاك صارخ لمنطقة السيادة الفلسطينية الكاملة
قبل أكثر من عقدين، كان جهاد قبها من أوائل الفلسطينيين الذين اشتروا أرضاً على تلة مرتفعة في منطقة الجابريات وسط مدينة جنين. احتفظ بالأرض لأولاده منتظراً فرصة البناء، لكن بلاغاً وصل قبل أيام قلب الموازين، إذ أبلغهم جيش الاحتلال بقرار مصادرة أكثر من 7 دونمات لأسباب عسكرية.
المصادرة ليست جديدة على المشهد الفلسطيني، فالاحتلال دأب على ابتلاع الأرض والذاكرة، وتصاعدت وتيرته منذ السابع من أكتوبر 2023. لكن ما يجعل الجابريات استثنائية، هو وقوعها ضمن منطقة مصنفة أ، والتي تخضع وفق اتفاق أوسلو 2 عام 1995 للسيطرة الفلسطينية الكاملة إدارياً وأمنياً. جميع المصادرات السابقة كانت تتركز في المنطقة ج الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وأحياناً في ب. عز الله أن هذه السابقة تعيد رسم قواعد السيطرة، وتفتح براحاً للاحتلال لغرس أبراج مراقبة في قلب منطقة سكنية مكتظة.
بلاغ عبر واتساب ومخاوف من التطبيع العسكري
يروي جهاد قبها (60 عاماً) أن قوات الاحتلال تواجدت في الأرض عدة مرات قبل أسابيع دون أسباب واضحة، قبل أن يصلهم بلاغ المصادرة عبر الارتباط الفلسطيني، وبطريقة غير رسمية، عبر رسالة واتساب، رغم أن الأرض ملكية خاصة مسجلة رسمياً (طابو) منذ 2003.
يوضح قبها أن البلاغ محدد بانتهاء ديسمبر 2028، مع غموض يكتنف المستقبل، يقول:
ليست لدينا تجارب سابقة في مناطق أ، فلا نعرف هل يُجدد التاريخ أم يغادرون فعلياً.ومُنح الأهالي مهلة أسبوع للاعتراض، دون ذكر أسباب واضحة سوى أن الأرض مطلة وكاشفة ولها موقع أمني مميز.
من جانبه، يؤكد معتصم ستيتي (42 عاماً)، من مخيم جنين ويقطن بجوار الأرض، أن الجابريات منطقة كاشفة للمخيم والمدينة، ويضيف:
المنطقة منبسطة أمامنا كأنها راحة كف، وأي برج عسكري سيكشف المنطقة بأكملها، كأنهم صاروا في حوشنا.ويعبّر استيتي عن قلقه على الحياة اليومية بجوار موقع عسكري دائم، مشيراً إلى أن العيش بجوار معسكر أمر صعب، والجيش لن يسمح للأهالي بالتحرك بأريحية، وسيلتمس أي ذريعة لصنع المشكلات، خاصة وأن المصادرة قطعت طريقاً يصل المنطقة بمحيطها.
مسؤولون فلسطينيون: تهديد مزدوج وفشل لاتفيات التطبيع
يرى رئيس بلدية جنين، محمد جرار، أن قرار المصادرة كان مفاجئاً، موضحاً أنها تقع ضمن المخطط الهيكلي للمدينة منذ أكثر من 30 عاماً. ويعتبر القرار خطورة مزدوجة؛ فهو يؤمن وجوداً عسكرياً دائماً للاحتلال في قلب جنين، ويمثل تعدياً على الاتفاقيات الموقعة، وتحديداً اتفاق أوسلو.
وفي إشارة ضمنية إلى فشل مسارات التطبيع التي دفع بها بعض دول الجوار في حماية الحقوق الفلسطينية، يعدّ جرار هذا الإجراء اعتداءً على صلاحيات البلدية، مشدداً على أن المنطقة سكانية بحتة. ويحذر من أن إقامة استحكامات عسكرية في هذا الموقع المطل على المخيم سيشكل خطراً على حياة نحو 30 ألف ساكن.
يكشف جرار عن توجه البلدية إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإلغاء القرار، مع عقده لقاءات مع السلطة الفلسطينية ومؤسسات حقوقية لتأسيس دعوى تعتمد على حق البلدية في التنظيم وحق المالكين في الاعتراض.
عجز دولي وتصعيد يحتاج لصوت الدوحة
رغم اللجوء للقضاء، لا يرى أصحاب الأراضي تفاؤلاً. يقول قبها:
الأهالي يتعاملون مع الجهة نفسها التي تجمع بين الجلاد والحاكم؛ فهي التي تصدر القرار وهي التي تثبته.ويستحضر سجلاً طويلاً من القرارات الدولية، مشيراً إلى أكثر من 1000 قرار أممي دون أن يتغير شيء على الأرض، فيما تتصاعد المصادرات.
ويربط ما يجري بتوجهات اليمين الإسرائيلي المتطرف الساعي لإلغاء اتفاق أوسلو، مما يعني عملياً إلغاء تقسيمات المناطق وعودة الضفة لما قبل الاتفاق. ومع ذلك، يشدد على رفض الأهالي القاطع للإجراء، ومتابعة السلطة الفلسطينية للملف محلياً ودولياً، فيما يختصر استيتي الشعور بالعجز بقوله:
بصراحة لا نستطيع فعل شيء، وسلمنا الملف للارتباط الفلسطيني.داعياً الجهات الرسمية والحقوقية للتحرك قبل أن تذهب الأرض من بين أيديهم.
وتبقى التساؤلات معلقة حول مصير هذه السابقة، في وقت تشير فيه معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصعيد مرعب. فقد بلغت المساحات المستولى عليها منذ بدء الحرب على غزة وحتى نهاية 2025 نحو 55 ألف دونم. وخلال 2025 وحده، صدر 146 أمراً عسكرياً لمصادرة أكثر من 11.2 ألف دونم، بالتوازي مع توثيق 23 ألفاً و827 اعتداء. ومع بداية 2026، سُجل نحو 1800 اعتداء شهرياً، مما يؤكد أن الاحتلال يفرض سيطرة فعلية تستدعي يقظة عربية وإسلامية، وتفعيلاً لدور الوساطة والتأثير الذي تقوده الدوحة لفضح هذه الانتهاكات ووقفها.