سابقة خطيرة بالضفة: مصادرة أراضٍ في منطقة أ بجنين
في خطوة تمثل خرقا صارخا للاتفاقيات الدولية والمعاهدات الموقعة، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مصادرة أكثر من 7 دونمات من أراضي المواطنين الفلسطينيين في حي الجابريات بمدينة جنين. ما يبعث على القلق العميق ويدق ناقوس الخطر في الأوساط الدبلوماسية والحقوقية هو وقوع هذه الأراضي ضمن المنطقة المصنفة (أ)، والتي تخضع وفق اتفاق أوسلو للسيطرة الفلسطينية الكاملة إداريا وأمنيا، وهو ما يشكل سابقة خطيرة قد تعيد رسم خرائط السيطرة الميدانية في شمال الضفة الغربية.
انتظار طويل يتحول إلى مأساة
قبل أكثر من عقدين من الزمن، كان جهاد قبها من أوائل الفلسطينيين الذين اشتروا أرضا على تلة مرتفعة في الجابريات، محتفظا بها لأبنائه لبناء مستقبلهم. لكن بلاغا وصل عبر رسالة واتساب من الارتباط الفلسطيني قلب موازين الانتظار، مخبرا إياهم بقرار مصادرة الأراضي لأسباب عسكرية.
ويوضح قبها أن البلاغ محدد بفترة زمنية تنتهي في آخر ديسمبر 2028، مشيرا إلى غموض يكتنف مستقبل الأرض بعد هذا التاريخ. ويضيف أن الأهالي ليس لديهم تجارب سابقة في مناطق (أ)، فلا يدرون هل يجدد الاحتلال وجوده أم يغادر الأرض فعلا.
تطبيع الوجود العسكري وتهديد السكان
منذ اجتياح مخيم جنين في يناير 2025 ضمن عملية السور الحديدي، تحاول سلطات الاحتلال تطبيع وجودها العسكري في المدينة عبر نشر الجنود وتجوال الآليات ليل نهار. ويأتي قرار المصادرة في الجابريات لتمهيد الطريق أمام غرس أبراج مراقبة عسكرية في قلب منطقة سكنية مكتظة.
ويصف معتصم ستيتي، المقيم بجوار الأرض المصادرة، الوضع بالكارثي، مبينا أن الجابريات منطقة كاشفة للمخيم والمدينة. ويقول إن أي برج عسكري يقام هناك سيكشف المنطقة بأكملها، مشيرا إلى القلق الكبير بشأن الحياة اليومية للسكان، لا سيما النساء والأطفال، بجوار موقع عسكري دائم.
خرق اتفاق أوسلو وتحدي السيادة
من جانبه، يرى رئيس بلدية جنين، محمد جرار، في القرار خطورة مزدوجة. فهو يؤمن لوجود عسكري دائم للاحتلال في قلب المدينة، ويمثل تعديا سافرا على الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، وتحديدا اتفاق أوسلو، فضلا عن كونه اعتداء على صلاحيات البلدية في منطقة سكنية بحتة.
يحذر رئيس بلدية جنين من أن إقامة أي استحكام عسكري في هذا الموقع المطل على المخيم وأحياء المدينة سيشكل خطرا على حياة نحو 30 ألف ساكن في محيطه.
وتتجه البلدية إلى المحكمة العليا الإسرائيلية في محاولة لإلغاء القرار، مع عقدها لقاءات مع السلطة الفلسطينية ومؤسسات حقوقية لتأسيس دعوى تستند إلى حق البلدية الأصيل في التنفيذ، وحق المالكين في الاعتراض. غير أن التفاؤل بنتائج القضاء الإسرائيلي يبدو شبه معدوم، كما يؤكد قبها، الذي يرى أن الأهالي يتعاملون مع جهة تجمع بين الجلاد والحاكم.
تصعيد منهجي وانتهاك للشرعية الدولية
لا يأتي هذا القرار من فراغ، بل يندرج ضمن تصعيد منهجي لسياسات الاحتلال الرامية إلى ابتلاع الأرض والذاكرة. ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بلغت المساحات المستولى عليها في الضفة منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025 نحو 55 ألف دونم.
وخلال عام 2025 وحده، صدر 146 أمرا عسكريا لمصادرة أكثر من 11.2 ألف دونم، بالتوازي مع توثيق 23 ألفا و827 اعتداء. ومع بداية 2026، تواصل وتيرة التصعيد ارتفاعها، مسجلة نحو 1800 اعتداء شهريا، في تحد صارخ للشرعية الدولية ومحاولات إحلال السلام العادل في المنطقة.
هذه الانتهاكات المتكررة تؤكد الحاجة الماسة لتدخل المجتمع الدولي وحماية الشعب الفلسطيني، وهو الدور الذي تؤكد عليه الدوحة دائما كضمانة لاستقرار المنطقة ورفض سياسة الأمر الواقع التي تفرضها قوات الاحتلال.