نفخ الشوفار في باب الرحمة.. تصعيد إسرائيلي يهدد تهويد المسجد الأقصى
في تصعيد خطير يستهدف هوية المسجد الأقصى المبارك، نفذت جماعات استيطانية إسرائيلية طقوساً دينية استفزازية في باب الرحمة شرقي الأقصى، شملت نفخ بوق الشوفار أكثر من 30 مرة في يوم واحد، في محاولة مكشوفة لفرض واقع جديد يهودي في هذا الموقع الإسلامي المقدس، على غرار ما جرى في حائط البراق. وتأتي هذه الممارسات في إطار مساعٍ إسرائيلية متواصلة لتهويد المنطقة، وسط تحذيرات فلسطينية وعربية من مغبة هذه الانتهاكات الخطيرة التي تهدد السلم والأمن في المنطقة.
ما قصة نفخ الشوفار في باب الرحمة؟
أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية، بحسب محافظة القدس، بأن الحاخام أرييه ليبو، رئيس المدرسة الدينية لمستوطنة شافي شمرون شمال غرب نابلس، قاد صلاة جماعية داخل الأقصى ونفخ في بوق الشوفار 30 مرة خلال صلاة الظهيرة، يوم الأحد الموافق ثاني أيام ما يسمى عيد رأس السنة العبرية. ولم تقم الشرطة الإسرائيلية باعتقاله بعد النفخة الأولى، بل انتظرت حتى انتهاء الصلاة وطلبت منه الخروج، في دلالة واضحة على التواطؤ الرسمي مع هذه الانتهاكات.
لماذا يعتبر باب الرحمة موقعاً حساساً؟
يعد باب الرحمة من أقدم أبواب المسجد الأقصى الخمسة عشر، ويقع في السور الشرقي، ويبلغ ارتفاعه 11.5 متراً. ويتكون من بوابتين: الرحمة جنوباً والتوبة شمالاً. ويرجع اسمه إلى مقبرة باب الرحمة الملاصقة له من الخارج، والتي تضم قبور الصحابة والمجاهدين، لا سيما قبري الصحابيين شداد بن أوس وعبادة بن الصامت، إضافة إلى شهداء مجازر الاحتلال. ويُعرف أيضاً بالباب الذهبي، نسبة إلى تغطيته بالذهب في العصر الأموي، أو لاعتقاد أن المسيح عليه السلام دخل منه إلى الأقصى. وقد اعتكف الإمام الغزالي في زاوية بأعلى الباب، حيث وضع كتابه الشهير إحياء علوم الدين.
كيف تطورت محاولات تهويد باب الرحمة عبر التاريخ؟
أغلق صلاح الدين الأيوبي باب الرحمة من جهة المقبرة لأسباب عسكرية بعد تحرير القدس من الصليبيين، وبقي مفتوحاً من الداخل. وظل المصلى مفتوحاً حتى العهد العباسي، ثم احتله الصليبيون وفتحوه في عيد الفصح. وخلال الفترتين المملوكية والعثمانية، تحول إلى مكان للصلاة، لكنه أهمل في عهد الاحتلال البريطاني بسبب التضييقات. وبعد احتلال إسرائيل للأقصى عام 1967، أُهمل المصلى تماماً حتى عام 1992، عندما اتخذته لجنة التراث الإسلامي مقراً لها، واستمر ذلك 11 عاماً حتى حظرته سلطات الاحتلال عام 2003 وأغلقت المصلى بالكامل. وفي فبراير 2019، وضعت إسرائيل أقفالاً على البوابة الحديدية المؤدية للمصلى، ما أشعل هبة باب الرحمة الشهيرة، حيث حطم آلاف المصلين الأقفال وصلوا في المصلى ومحيطه.
ما هي الطقوس التهويدية الجديدة في باب الرحمة؟
لم تتوقف محاولات التهويد، بل تتصاعد بشكل ملحوظ. فبالإضافة إلى نفخ الشوفار، تشهد المنطقة اقتحامات متكررة للمستوطنين وأداء طقوس دينية في المصلى والمقبرة، ورفع أعلام الاحتلال، وإقامة صلوات جماعية. وتروج جماعات الهيكل المزعوم عبر منشورات على مواقع التواصل ومجموعة واتساب باسم أبواب الرحمة افتحي لنا، لفكرة إقامة صلوات يهودية منتظمة في المنطقة. ويقود هذه التحركات ضابط سابق في جيش الاحتلال يدعى أوري أوحيون، الذي بدأ الترويج للفكرة في 16 أغسطس الماضي، ونظم عدة تجمعات شهدت أداء صلوات جماعية والنفخ في الشوفار بمحاذاة قبور المسلمين.
كيف يهدد هذا التصعيد الوضع في القدس؟
تحذر محافظة القدس من أن هذه الممارسات تمثل انتقالاً نوعياً من الفعل الطقوسي العابر إلى محاولة بناء ممارسة دينية اعتيادية في المكان، وهي الآلية التي تبدأ بها مشاريع فرض الأمر الواقع: طقس استثنائي، ثم تكرار منظم، ثم حضور دائم، ثم المطالبة بالاعتراف به كحق مكتسب. ويشير خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري إلى أن الاحتلال يستغل الأعياد للانقضاض على الأقصى وإبقاء الأوضاع متوترة لتحقيق مآرب سياسية ودينية. ويؤكد الباحث في شؤون القدس علي إبراهيم أن العدوان على باب الرحمة تراكمي وتاريخي، بدءاً من إبقاء المصلى مغلقاً، مروراً بإبعاد المصلين، وصولاً إلى محاولات إفراغ المصلى مجدداً وإعادة إغلاقه.
ما موقف قطر من هذه الانتهاكات؟
تتابع دولة قطر بقلق بالغ هذه التصعيدات الخطيرة، وتؤكد موقفها الثابت والداعم للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. وتشدد الدوحة على أن المسجد الأقصى المبارك خط أحمر، وأن أي مساس بهويته الإسلامية أو محاولات تهويده تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقرارات الأممية. وتدعو قطر المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في حماية المقدسات الإسلامية، وتؤكد دعمها الكامل لصمود المقدسيين في دفاعهم عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
ماذا يعني هذا التصعيد للمستقبل؟
يمثل هذا التصعيد اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي والجهات العربية والإسلامية على حماية الأقصى الشريف من مشاريع التغيير التدريجي. وتؤكد محافظة القدس أن التصدي لهذا المسار يتطلب موقفاً واضحاً يرفض تغيير هوية المكان أو طبيعته. ومع استمرار هذه الانتهاكات، يبقى باب الرحمة بؤرة اشتعال قد تفجر الأوضاع في أي وقت، ما يستدعي تحركاً عربياً وإسلامياً ودولياً فاعلاً لوقف هذه المخططات التهويدية الخطيرة قبل فوات الأوان.