أعلنت القوات الحكومية اليمنية، في أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحقيق تقدم ميداني في جبهات محافظة مأرب ضمن عملية «فجر اليمن»، بعد سنوات من شبه ثبات خطوط المواجهة، استعادت خلالها مواقع ومرتفعات ذات أهمية عسكرية في الشمال والجنوب.
وبحسب تقرير للجزيرة نت، تنفذ القوات الحكومية عمليات قتالية وهجومية متواصلة في الجبهات الشمالية ضمن المنطقتين العسكريتين السادسة والسابعة، بالتزامن مع معارك عنيفة في الجبهة الجنوبية ضمن المنطقة العسكرية الثالثة، حيث تستهدف مواقع وتحصينات وتحشيدات حوثية بالمدفعية والطائرات المسيرة.
تقدم ميداني يتجاوز خطوطا حصينة بنتها سنوات من الهدوء
منذ مطلع أكتوبر الجاري، أعلنت القوات الحكومية سيطرتها على مواقع حاكمة جنوب مأرب، بينها جبال ثمد والقايمة والمقيلات وعكد القايمة والرصيد، بعد اختراق تحصينات حوثية، فيما أفادت مصادر محلية باستمرار التقدم شمالا وغربا باتجاه مناطق بين مجزر ورغوان.
ويرى الصحفي اليمني المتخصص في الشأن العسكري أحمد شبح أن أهمية هذه التطورات لا تكمن في المساحات المستعادة فحسب، وإنما في قدرة القوات على تجاوز خطوط دفاعية حوثية أعدت وحصنت على مدى سنوات. وقال للجزيرة نت إن الحوثيين استغلوا فترة التهدئة التي بدأت في أبريل/نيسان 2022 لبناء الخنادق وشبكات الألغام والمواقع الدفاعية المتقدمة، بهدف تجميد خطوط المواجهة كما هي.
واعتبر شبح أن تجاوز هذه الدفاعات يعكس «قدرة القوات المسلحة على استعادة المبادرة والتقدم»، مشيرا إلى أن فقدان المواقع المحصنة يعني للحوثيين «خسارة جزء من المنظومة الدفاعية التي استثمر فيها وقتا وجهدا كبيرين».
وصف رسمي: تفكيك أنساق الدفاع المعادية
وكان المركز الإعلامي للقوات المسلحة وصف في التاسع من أكتوبر الجاري عمليات الشمال والشمال الغربي بأنها «أعمال تعرضية»، قبل أن يعلن الناطق باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي لاحقا «تفكيك أنساق الدفاع المعادية وتهيئة الظروف لاقتحام التحصينات وتوسيع نطاق الاختراق والتقدم».
وقال النزيلي في بيان يوم السبت إن القوات نفذت خلال 24 ساعة 1417 عملية استهداف دقيقة ومباشرة طالت تجمعات وتعزيزات ومواقع محصنة ومصادر نيران وآليات، وأضاف أن هذه العمليات أسهمت في «إرباك تحركات الحوثيين وحرمانهم من دفع الاحتياطيات إلى الجبهات».
الانتقال من الدفاع إلى فرض إيقاع المعركة
من جهته، يرى الخبير العسكري العميد يحيى الحاتمي أن التطور الأبرز يتمثل في انتقال العمليات من التعامل مع تحصينات المناطق الصحراوية المفتوحة إلى الاقتراب من المناطق الجبلية والمواقع الحاكمة. وأوضح للجزيرة نت أن القوات الحكومية كانت في السابق تنتقل من الدفاع إلى الهجوم ثم إلى «الهجوم من منطلق الدفاع مع التثبيت»، لكنها باتت اليوم «تبادر بالهجوم وتفرض إيقاع المعركة في عدد من المحاور».
وباعتقاد الحاتمي، فإن تجاوز التحصينات التي أقيمت على مدى سنوات يفتح المجال أمام الوصول إلى المرتفعات التي تمنح أفضلية في المراقبة والاستطلاع وكشف التحركات، ما يوفر منطلقا لعمليات لاحقة. ويؤكد أن الهدف لم يعد «الاستيلاء على تبة أو جبل» بمعزل عن السياق العام، وإنما تحقيق مكاسب أوسع بأقل قدر ممكن من الخسائر.
ويرى شبد أن لكل جبهة طبيعتها من حيث التضاريس وانتشار القوات، وأن الأهداف التفصيلية تحددها القيادة العسكرية وفق تقديراتها للموقف الميداني، بينما يجري في شمال مأرب التمييز بين محاور للضغط والاستنزاف وأخرى للجهد الرئيسي.
هل تشهد مأرب تحولا في إدارة المعركة؟
يتزامن هذا التقدم مع سؤال يطرحه المراقبون: هل تشهد مأرب تحولا في طريقة إدارة المعركة، أم أن ما يجري لا يتجاوز مكاسب تكتيكية متتالية؟ يجيب شبح بأن هناك «اختلافا واضحا في طبيعة العمليات»، لافتا إلى أن القوات الحكومية كانت خلال الفترة الماضية تخوض في معظم الجبهات معارك دفاعية وتتصدى لمحاولات التسلل، بينما أصبحت الآن تبادر بالهجوم في أكثر من قطاع.
ويضيف أن تجاوز خطوط الدفاع واستعادة مواقع راهن الحوثيون على الاحتفاظ بها يمثل، بتقديره، تحولا عسكريا ومعنويا بعد سنوات من الثبات. ويتفق الحاتمي مع هذا التوصيف، معتبرا أن اختراق البنية الدفاعية الحوثية في المناطق الصحراوية يتيح الانتقال إلى مرحلة استهداف «المناطق الحاكمة» والسلاسل الجبلية بدل استنزاف القوات في معارك على مواقع محدودة القيمة.
لكن استمرار التقدم لا يعني بالضرورة استقرار خطوط المواجهة الجديدة. ويرى شبح أن الأولوية بعد أي تقدم تتمثل في تأمين المواقع المستعادة، قائلا إن «كل تقدم يحتاج إلى تأمين، وكل موقع تتم استعادته يجب أن يتحول إلى مكسب ثابت على الأرض».
الرواية الحوثية المضادة
في المقابل، ينفي الحوثيون حدوث تحول ميداني نوعي في مأرب. وتؤكد وسائل إعلام جماعة أنصار الله أن مقاتليها يخوضون «معارك تصد واستنزاف لمواقع القوات الحكومية»، مشيرة إلى أن «التحصينات والخطوط الدفاعية في صحاري وجبال مأرب لا تزال عصية على الكسر».
وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع، في تصريحات نشرتها مواقع محلية موالية للجماعة، إن «القوات الحكومية لم تحقق تقدما في مناطق سيطرتهم» وإن «مقاتليهم كبدوها خسائر بشرية ومادية». وفي 16 أكتوبر الجاري، أعلن سريع إسقاط طائرة مسيرة مسلحة في أجواء مأرب.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول الدعم الإيراني المستمر للحوثيين وأثره في إطالة أمد الصراع اليمني، وهو ما كشفت تقارير دولية تفاصيله خلال الأشهر الماضية، في سياق يربط مصير اليمن بموازين القوى الإقليمية الأوسع.
أسئلة شائعة
ما عملية «فجر اليمن» في مأرب؟
هي عملية عسكرية أعلنتها القوات الحكومية اليمنية في أكتوبر 2026 وتحقق خلالها تقدما في الجبهات الشمالية والجنوبية لمحافظة مأرب بعد سنوات من ثبات خطوط المواجهة.
لماذا تعتبر السيطرة على المرتفعات مهمة عسكريا؟
لأنها تمنح أفضلية في المراقبة والاستطلاع وكشف تحركات الخصم، وتوفر منطلقا لتوسيع العمليات وتثبيت المكاسب الميدانية، وفق الخبير العميد يحيى الحاتمي.
ما موقف الحوثيين من هذه التطورات؟
ينفي الحوثيون عبر متحدثهم يحيى سريع حدوث تقدم للقوات الحكومية، ويقولون إنهم يخوضون معارك تصد واستنزاف وكبدوا خصومهم خسائر بشرية ومادية.
